محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٠٣ - الخطبة الأولى
ومَنْ انتظر هجمة الأيام المقبلة بغوامضها فاقدًا للرؤية والتقدير المقارب بالنظرة النافذة فاجأته بما لا يكون متهيّئًا لمواجهته ومقاومته أو تحمُّلِه.
الإسلام والبصيرة:
يُعطي الإسلام للبصيرة وتربيةِ مَلَكَتِها في الإنسان أهمية بالغة لما لها من الأهميّة.
وكفى بالبصيرة أهمية وشرفًا وقيمة عالية في الرؤية الإسلامية أن يصف القرآن الكريم الكاملَ المطلقَ سبحانه وتعالى بوصفِ البصير من مثل قوله تبارك وتعالى في الكتاب العزيز: وَ اللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ٣، فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ٤، وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ٥، أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَ يَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ٦.
كلُّ إبصار من دون إبصار الله محدود ومن عطائه، وهو وحده البصير المطلق، وهو بصير لا من عطاء أحد، وإنما بصرُه ذاتيٌّ بذاته وبكلِّ شيء سواه، وعلمه نافذ في كلِّ خَلْقٍ من خلقه مما أوجد، وما لم يوجد، ولا يخفى عليه أبطن باطن في الأشياء، ولا أعمق عُمْق، ولا كبير ولا صغير من كلِّ الذوات والحقائق.
ومِن كونه كذلك يقضي بالحق، ولا يشوب قضاءه باطل، ويُفوِّض أهل العقل والحكمة واليقين أمرَهم إليه تفويضًا مطمئنّين راضين مرضيّين، ولا يكون من وحيه وكتبه إلى عباده ورسالاته إلّا ما هو حق لا يَمَسّه باطل، ولا يدخل تدبيرَه لشيء من الكون الوسيع العريض نقصق ولا خلل كما تُوضّحه الآيات الأربع السابقة ٧.