محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٦ - الخطبة الأولى
ومن حَجَبَت قلبَه الذنوب، وأعمت عقلَه الآثام فصار به ذلك إلى أن لا يرى الله سبحانه، ولا يعرفه وَقَعَ في الشّكِّ المغرق دون أن يملك من عقله وقلبه ما يجعله يُنكر الله، ويُوفّر له على إنكاره الدليل [١].
والشّاك في مثل هذا الأمر العظيم الأعظم من بين كلِّ الأمور العقل إنما يقول له أنّ عليك الاحتياط.
وعن عدم القدرة على إنكار الله ممن سدّ على نفسه قدرة التصديق به لسوء ما كسبت يده تقول الكلمة عن الإمام عليّ عليه السلام:" الحَمدُ للّهِ ... الَّذي بَطَنَ مِن خَفِيّاتِ الأُمورِ، وظَهَرَ فِي العُقولِ بِما يُرى في خَلقِهِ مِن عَلاماتِ التَّدبيرِ، الَّذي سُئِلَتِ الأَنبِياءُ عَنهُ فَلَم تَصِفهُ بِحَدٍّ ولا بِبَعضٍ، بَل وَصَفَتهُ بِفِعالِهِ، ودَلَّت عَلَيهِ بِآياتِهِ، لا تَستَطيعُ عُقولُ المُتَفَكِّرينَ جَحدَهُ؛ لِأَنَّ مَن كانَتِ السَّماواتُ وَالأَرضُ فِطرَتَهُ، وما فيهِنَّ وما بَينَهُنَّ، وهُوَ الصَّانِعُ لَهُنَّ؛ فَلا مَدفَعَ لِقُدرَتِهِ" [٢].
ومعرفة القلب لله معرفته له جليلًا لا يُحدّ جلاله، جميلًا لا يتناهى جماله، كاملًا لا أُفُقَ لكماله، ممتنعًا أن يُدرك أي عقل وأي قلب حقيقة ذاته، أو صفةٍ من صفاته فلا عقلَ ولا قلبَ على الإطلاق يمكن من بعد ذلك أن يدنو من ذلك فضلا عن أن يناله حقيقة ذات الله أو حقيقة صفة من صفاته.
[١]- ليس من عقل على الإطلاق يمكن أن يملك دليلا على نفي ألوهية الله سبحانه وتعالى. العقل يقع في الشك، القلب يقع في الشك لسوء ما كسبت اليد، لكن أن يكون لأحد دليل على نفي الوجُودِ إلهي فذلك مما هو مستحيل تمامًا.
[٢]- الكافي ج ١ ص ١٤١ ط ٥.