محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٤٩ - الخطبة الأولى
وكم أثرى ذلك البيت البعيد في شرفه، العظيم شأنًا، الغزير بركة من خُلُق، وكم هدى، وكم صنع أجيالًا من أهل الإيمان، وكم وحّد، وكم أعطى من قوّة، وحافظ على كيان أسمى أمة؟!
إنّه لبيت مبارك معطاء كريم بحقّ.
وعن المناقب لابن شهراشوب: جهلوا تفسير قوله إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ ٨ فقال له (لعليّ) عليه السلام رجلٌ: هو أول بيت؟ قال: لا، قد كان قبله بيوت، ولكنه أول بيت وضع للنّاس مباركًا؛ فيه الهدى، والرحمة، والبركة ...." ٩.
فهو ليس أول بيت من حيث هو مجرّدُ بيت، وإنما هو أول بيتِ بركةٍ وهدى ونور ورحمة في الأرض من كلّ بيوت الأرض، ومن بين كل بيت آخر من هذا النوع من البيوت كبيت المقدس.
ولمسجد الكوفة شأن عظيم في البركة فعن الإمام عليّ عليه السلام- في فضل مسجد الكوفة-:" تقرّبوا إلى الله عز وجل بالصلاة فيه، وارغبوا إليه في قضاء حوائجكم، فلو يعلم الناس ما فيه من البركة لأتوه من أقطار الأرض ولو حبوا على الثلج" ١٠ فبركته لمن عرفها جاذبة للنفوس مما يدفع بها إلى السعي إليه ولو السعي الشّاق المكلِف المضني، ويسهّل ارتكاب الصعاب من أجل نيلها.
وهو مسجد عَمَر بذكر الله من قلب منشدّ إلى بارئه، وروح لم تعدل في خطها عن هداه. وشعّ منه فكر الوحي المتنزّل على رسول الله صلَّى الله عليه وآله، وبلغ أقصى المدى من أرض الله مع امتداد الأجيال كما هو امتداد كلمة الرسول وهداه لا توقفهما محاولات الطغاة والجبابرة وعبيد الدنيا طوال التاريخ.