محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢١١ - الخطبة الأولى
النَّماء الماديّ النافع الزراعيّ والصناعيّ والتجاري، والتحسُّن البيئي والعمراني، وارتفاع المستوى الصحّي، وكلُّ طيِّبٍ مادي يخدم حياة الإنسان، وغنى الطبيعة، ووفرة الماء، وهطول الأمطار المحيية، وغزارة هذه وسعتها، ودوامها واستمرارها بركاتٌ من البركات المادية الموهوبة من الله المفاضة بكرمه على عباده.
وسلامة العقول، ونموّ التفكير وصحّته، ونضج الوعي، وطهر الروح، وانشراح الصدر للإيمان، والتمسُّك بالدين الحقّ، والأخذ بالمنهج الإلهي الحكيم، ورضا النفوس، واطمئنان القلوب، والسَّلام والأمن، والمحبّة الطاهرة والصفاء نِعَمٌ وبركات من بركات الله في الناس، ومن مِنَنِه العظيمة عليهم. عندما تغزر هذه النعم وتنتشر هذه المنن وتبقى فهي أعظم رحمة وأجل بركة من البركات في الأرض.
ولا تعُمُّ البركات المادية، ولا تتسع، ولا تثبت إلا حين تغنى الأرض ببركات المعنى، وتصحُّ العقول، وتطهر القلوب، وتشِفّ الأرواح، وتنقى السرائر، وتطيب النيَّات، ويسود الإيمان، ويُسلِّم الناسُ للمنهج الحقّ الذي رضيه الله منهجًا لهم وصراطًا قويمًا.
وكلُّ النماء الماديّ لو انفصل عن البركات المعنوية لتراجع، وأصابه الانحسار. ولا بركةَ لنماء ماديّ يؤدي إلى شقاء الإنسان وفتنته، وذلك ما هو حاصل حتمًا عند انحسار بركات المعنى.
فالنَّماء الماديّ لا يتّسع، ولا يزكو، ولا يثبت ويدوم، ولا يكتسب معنى البركة حينما ينفصل عن البركات المعنويَّة فيُنتج الخوف بدل الأمن، والسُّخط مكان الرضا، والظلم محلَّ العدل، والضَّلال بعد الهدى، وكلّ ما يستتبع من ويلات وشرور.
يقول القرآن الكريم: وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ٩.