محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٠١ - الخطبة الثانية
يوم المبعث النبوي الشريف:
كان يومًا لبعث الحياة في عالم الإنسان والأرض. فقبل بعثة الرسول صلّى الله عليه وآله كانت حركة الإنسان محكومة من داخله وخارجه لحكومة الشرك والجاهلية والضلال، واليهوديّة والمسيحية المحرّفتين.
وكانت أوضاعه في حياة الخارج محكومة لهوى الأرض وقيم المادة وطاغوتية الطاغوت.
وببعثة المصطفى صلَّى الله عليه وآله وتنزُّل القرآن الكريم، وما أعطته التربية القرآنية على يد المبعوث بالرحمة حدث انقلاب هائل على مستوى داخل الإنسان وخارجه وكلّ أوضاعه، اتجه به إلى السماء بدل ما كان عليه من الانكباب على الأرض، وأعاد إليه عقله، وصحَّح تفكيره، وقوّم إرادته، وطهَّر مشاعره، ورفع مستوى همّه وطموحه، ومدّ في رؤيته، وأنضج وعيه، وعالج نفسيّته، واستقام بأوضاع حياته. قل عن ذلك الانقلاب العظيم أنه هدى الإنسان إلى سواء السبيل، وأخرجه من الظلمات إلى النور.
بدأ ذلك من جزيرة العرب، وامتدت أنواره وتأثيراته الكريمة إلى أقاصي الدّنيا، وأبعد تخوم الأرض المأهولة للإنسان.
ومستحيل على الأرض في ذلك اليوم، وفي أيّ يوم آخر، وعلى كل أمة، وكل جيل أن ينقذه من آثار الجاهلية المضيِّعة لحياته، المحقّرة له، المنحطّة بمستواه، المفسدة لكل أوضاعه غير الإسلام والقرآن والقيادة الربانية الممثلة لرقي الإسلام والقرآن وهدايتهما ورحمتهما التي هي من رحمة الله الواسعة.
والجاهلية رؤية كونية مقابل رؤية الإسلام، وفكر يضادّ فكره، ومنهج يناقض منهجه، وشعور على خلاف ما يعطيه من شعور، وسياسة على خلاف ما يريد من سياسة، وتربية منحرفة عن تربيته.