محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٩٨ - الخطبة الأولى
هذه صورة لقلب الإنسان من جهد العبد وتوفيق ربّه، والصورة الأخرى التي يصنعها بيده صورة قلب أسود كالح تسوده الظلمة، ويعشعش فيه الحقد، وتملأه البغضاء، وينفِر من الحُسْن، ويعشق القُبْح، وينوي السوء، ويُضمر للناس الشرّ، ويهوى الرذيلة، وينفر من الفضيلة.
لا يريد الدّنيا إلا له، ويؤلمه أن تصل إلى الغير نعمة من نِعْمَها.
يؤلمه أن يصاب بخسارة من خسائرها، بينما يُنعشه أن يصاب الآخرون بكل مصيبة من مصائبها، أو لا تشعر نفسُه بألم أصلا لمصيبة من مصائب الآخرين.
يسعى في الكثير لشرِّ الغير، ولا يسعى لخير أحد.
والمسوّف لنظافة بدنه أو قلبه من الأدران ينتهي به التسويف إلى اعتيادها، والشعور بالألفة لأذاها ثم إلى حدّ الأنس بها.
ولنظافة القلب منابت ولقذارته منابت أخرى. فطرة الهدى والنور، والدين الحق، والقيم المعنوية الجمالية التي تغنى بها الخلقة هي المنابت الرئيسة لهذه النظافة وشدّة التألّق والإشعاع للقلوب.
والشّهوات الماديّة المغروسة في الإنسان بمقتضى حاجة الحياة في الدنيا، ولحكمة الاختبار لهذا المخلوق منابت لترجُّس القلوب.
وقد مُلِّك الإنسانُ قدرة الاختيار ٨، وأن يصنع بنفسه ولمصيره ما يريد.
فمن طلب لقلبه الاحتفاظ بهداه، وازدياد هذا الهدى وتوسُّعه أخذ بمنهج الله في هذه الحياة ٩. ومن طلب غير ذلك ١٠ كان هجر ذلك المنهج الكريم الطريقَ لما أراد ١١.
وقلب طاهر وقلب نجس لا يستويان، ولا يتآلفان، ولا يلتقيان.
ومن أفاقت نفسه على أهمية الرّوح، وسلك طريق ازدهارها، وعظمت لذته الروحية استحال على قلبه أن يستريح لقلبٍ مترجّس قذر موبوء.