محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٩٦ - الخطبة الأولى
أما إذا استمرّ به الحال لا يعرف ما يعرض بدنه من أوساخ، أو استوى في نفسه حال قذارته ونظافته، ولم يُسرّ لنظافة، ولم ينفِرْ من قذارة فهو ليس بالسويّ نفسًا ولا ذوقًا، وانكشف أنه خارجٌ عن حدّ الاعتدال، وفاقد للذوق الإنساني السليم.
ومن النّاس من تتراكم القذارات على قلبه، وتتكثف الأرجاس وهو لا يشعر بشيء من التغير، أو وهو يرى تراكم الأوساخ عليه ثم لا يتأذّى لشيء من ذلك، ولا يهمّه أن يزداد سوء حاله، ويتألّم الآخرون له لما يظهر من ذلك على سلوكه، وبما يفضحه ظاهرهُ من داخله من قُبْح، وهو لا يتأذّى لنفسه، ولا يشعر بالضجر لحاله.
وهذا يكشف عن أن مثل هذا الإنسان خارج على الطبيعة الإنسانية في عدم الإقامة على عدم الرؤية لتغيّرُات القلب ١ وما يعرض عليه من قذارات وتلوّثات وانتكاس، أو عدم الشّعور بأذًى لما يَرى من أوساخ تأتي على نظافة قلبه، وعدم المبادرة لطلب طهره ونقاوته.
وإذا كان عَمَى جارحةِ العين يمنع من رؤية قذارات البدن فإنَّ عمى البصيرة يمنع عن رؤية أيّ شيء من قذارات القلب.
وإذا كانت خسارة الذّوق الجمالي على مستوى الحسّ المادي تجعل المبتلى بها تستوي عنده القذارة والنظافة والطهر والرجس فيما يعرض بدنه، فإنَّ خسارة الذوق الجمالي على المستوى الرّوحي تجعله يُساوي بين حال طُهْر القلب ورجسه.
وربما صارت خسارة الذّوق الجمالي على مستوى الحسّ أو المعنى بصاحبها حال تصل إلى حدّ الانحراف الخطير في الذّوق إلى تقديم القذارة على النظافة، والرجس على الطهر ٢.
وهذه النماذج الساقطة تجدها على مستوى حياة البدن وحياة الروح إلّا أنها أوسع وأوسع وهي الأكثر في مجتمع الإنسان فيما يتّصل بروحه.