محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٥٨ - الخطبة الأولى
الخالق، والحياة تترى دروسها وبيّناتها مؤكدة حقيقة أنه لا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم، وأنّه لا رادّ لقدره، ولا مَضاء إلّا لما يريد.
وهل يتذكر الإنسان أنّه وصل أحدًا من أحد نفع إلّا بإذن الله، وما ناله منه ضرٌّ إلّا بتقديرٍ ينتهي إليه سبحانه؟!
وهل يعي ويتذكّر أن العبد يعطي العبد اللقمة أو الشّربة ثم لا يملك أن يجعل فاعليةً لها في جسم من يتناولها؟ ٤ وأنه لا فاعلية لها إلّا بفعل الله عز وجل، وأنَّ نفعها وضرّها بيده؟ ٥ وأنَّ بقاءها ووصولها إلى الغاية التي خُلِقَت من أجلها بقدرته وتحت إرادته، وأن استمرار أي جهاز من أجهزة الإنسان تعتمد عليه حياته، وأن أداءه لوظيفته يحتاج إلى خالقية الله الآن تلو الآن مدة وجوده وقيامه بمهمّته؟ ٦
هل نفهم ذلك ونعيه حتى نعرف الفرق بين إحسان الله عز وجل وإنعامه، وما قد يكون من إحسان أو إنعام نسنده تبعاً إلى غيره؟
وحتى نقيسَ بشاعة التمرد والمحاربة للمحسن من الناس ممن وصل إليه إحسانه من بشاعة وخسّة وظلم وجهل وسفه وغرور ممن تمرّد ومما لا يساويه من شيء في المحاربة لله سبحانه والمعصية والمضادة لدينه وهو الذي لا أصل لإحسان من غير إحسانه، ولا وصول لنعمة لأحد إلّا بإنعامه، ولا إحسان ولا إنعام بالدقّة والشمولية والصدق لما عليه إحسانُه، وإنعامُه وهدايتُه وإلهامه.
ما أجهل نفسًا وما أسقطها وهي لا تستغني عن عطاء الله أقلّ من طرفة عين والله يمدّها بكل ما تحتاجه وهي تُهمل شكره، ولا تعرف له حمدًا، ولا تقدّر له رزقًا، وتضادّه على فقرها إليه وعبوديتها التامّة الحقيقية له، ومحكوميتها لقضائه وقدره وتعصيه وتناقض دينه وتعادي أحبّاءه، وتؤذي أولياءه.