محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٥٧ - الخطبة الأولى
أمن عاقل له مُسْكَةٌ من عقل، أو بقيّة من ضمير يلومك أن قطعت إحسانك له، ومنعته الرِّفد الذي يعينه عليك وأن تركسه وهو يريد أن يركسك، وتقمعه، وكل أمنيته وسعيه إلى أن يقمعك؟
وإذا فرغْتُ وفرغ غيري من حكم العقل والضمير في هذا المثل وأشباهه وأضرابه وهو لا يساوي شيئًا فيما يصفه من الإحسان من طرف ومقابلته بالإساءة ممّن تلقّى الإحسان مما عليه إحسان الله سبحانه لعبيده، والإنكار والمعصية، والمحاربة من عصاتهم ومتمرّديهم وفَسَقتهم وفجّارهم وجبابرتهم له ولدينه وأوليائه.
فلأسأل عقلي وضميري وليسأل غيري عقله وضميره إن كان لنا بقية من عقل أو ضمير، وليسأل بعضنا بعضًا عن حكم العقل والضمير بم يحكمان في عبد لا لحظة وجود ولا حياة له، ولا لقمة ولا شربة تجدها معدته، ولا نسمة هواء تحتاج لها حياته، ولا كِسوة تستر عورته، ولا مأوى يَكنّه، ولا دواء يشفيه ويستعينُ به على مرضه وألمه، ولا وقاية تدرأُ عنه، ولا نبضةَ حياة لقلبه، ولا جهاز من أجهزة بدنه، ولا صوابَ يُوفَّق إليه، ولا خطأ يُجنَّبه، ولا هداية ولا رشد ولا بلوغ شيء مما يتمنّى، ولا سببَ من الأسباب بيده، ولا خير يبلغه، ولا شرَّ يُدفع عنه، ولا نعمةَ مما له إلا من الله بارئه ومصوِّره ومدبِّره ورازقه ومعينه وكافيه ومتولّي تربيته ورعايته.
لنسأل العقل والضمير بِمَ يفتيان، بِمَ يحكمان، بِمَ يقضيان في هذا العبد وهو يستمر في معصية الله سبحانه السنين الطوال كلما استمر عطاءُ الله له وإنعامه عليه، ويداوم على معاندته ومكابرته، وقد يجِدُّ كلّ الجد في محاربة دينه وأوليائه، ونشر الفساد في بلاده وعباده؟
هذا والمواعظ تُصبّ في أذنيه صبًّا وآيات الله تُتلى عليه ليلًا ونهارًا، ولا يكفّ منها ما هو تكويني عن مخاطبة العقل والقلب آنًا ما، وكل ما في الكون العريض مذكّر بحاكمية