محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٥٦ - الخطبة الأولى
هل يواصل المحسن إحسانه إليها؟! هل يصبر على جحودها وكفرها، وأذاها؟! هل يعطيها الفرصة بعد الفرصة، والفسحة بعد الفسحة التي تُتيح لها أن تتراجع عن غيِّها؟ هل يترك لها أن تُكابر إرادته، وأن تحارب أولياءه وأحبّته؟! هل يُمكِّن لها أكثر مما مكَّن، ويفسحُ لها أكثر مما أفسح؟! هل يدع لها أن تُؤلِّب ضده، وأن تجمع الجموع وتُعدّ العُدّة والعدد لمكابرته ومحاربته؟!
أهذا ما تحكم به محكمة العقل والوجدان الإنسانيّ أم أنَّ لها حكمًا آخر مضادًّا له في المثل المضروب؟ ٢ لنرى ذلك كيف يكون حكمها فيمن كفر بأنعمِ الخالق، وتخلّى عن شكره، وضادّه، وحاربه، وجمع ضدّ دينه، وأتى بما يُسخطه.
ومحكمة العقل والضمير عند كلّ إنسان، وداخل كلّ إنسان حسب ما عليه فطرتُه، وما كان عليه أصل تكوينه.
انظر لو أن أحدًا لا مأوى له إلا مأوى وفّرتَه له، ولا ملبس، ولا مأكل ولا مشرب، ولا مأمن، ولا حماية، ولا رفد، ولا رحمةَ بحاله إلا ما هيّأته له ٣، وأنه كلّما تعطيه يُعصيك بما تعطيه، ويستقوي به على محاربتك، وأذى أتباعك وأوليائك، وتأليب الأعداء عليك، وتنفير الناس منك، وإعلان المواجهة الظالمة لك.
وانظر ماذا يقول عقلك وضميرك في نفسيّته، وخلقه، وبِمَ يقضي الحكم العادل في حقه؟! وإذا خِفت تحامُل النفس عليه في هذا الحكم وطلبتَ أن تكون أقرب للعدل فدع للعقل والضمير الإنسانيّ في أيّ إنسان سويّ أن يصدر حكمه العادل في حقّه، وأن يُنصفك في كيفية التعامل خاصة بعد الصبر الطويل والأناة، ومواصلة الإحسان والإنعام.
أمن عاقل، أمن ذي ضمير ينبض بشيء ولو قليل من الحياة يقف مع هذا الجاحد المعاند وينتصر له في محاربته لك، وإنزال الأذى فيمن والاك وأطاعك وأحبّك؟!