محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٢٧ - الخطبة الأولى
وقد ينتهي بالمحبِّ حبُّه إلى خزيه وذُلّه، وقد ينتهي به إلى رِفعته وسُموّه، وكذلك يفعل البغض. كلٌّ من الحبّ والبغض قد يؤدّي بصاحبه إلى أفظع الفظائع وأخسِّ الأعمال، وينأى به عن الله سبحانه، ويُسقطه، وقد يأخذ به إلى طريق الحقّ، ويُجنّبه الغواية، ويُصحِّح من سلوكه حتى يتقوَّم، وينال بما وصل إليه مرضاةَ الخالق العظيم، ويرفع شأنَه بعيدًا بعيدًا عما كان فيه من الحضيض.
فأَمْرُ الحبّ والبغض أمرٌ خطير، ولا يسوغ لمن تدبّر عِظَمَ خطرهما أن يتساهل أو يتسرّع في حبّه لأحد أو شيء أو بُغضه له.
ما يدخل النفسَ منهما مدخلًا غير صحيح وبلا مراجعةِ عقلٍ قد تتعطّل فاعليّة العقل أمامه، وقد يُسقِط العقل، ولا يُبقي من قيمة له على الإطلاق.
والإنسان يُحب أشياء، ويُعجب بأفعال وممارسات، وأشخاص وجهات، وتروق له علاقات، وتستهويه لذائذ وشهوات فيُقدِم مُتسرِّعًا على ما أحب، ويرتبط بمن حلا له، ويرتمي على ما استهواه ليجد بذلك أنه أسرع إلى شرٍّ ما كان في الحسبان، وأنه فرّط بذلك في حقّ شرفه ومكانته، أو صحته وحياته، وأساء لنفسه في دنياه وآخرته، وليجد من نفسه أنّه مُطوّقٌ تمامًا لذلك الحبّ الأبله المخسِّر، ومحكومٌ لذلك البغض غير المدروس.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعل قلوبَنا مشدودةً إليك، ذاكرةً لك، مُبتغيةً رضاك، مائِلةً عمن سواك، لا تُحبّ إلّا من أحببت وما أحببت، ولا تُبغض إلا من أبغضت وما أبغضت، ولا ترتضي إلّا هُداك يا خير من سُئِل، وخير من أعطى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ