محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٠٧ - الخطبة الثانية
١- أيُّهما الأصل؟ أيهما قبل؟ عند العقل والدّين لا سلاح ما وُجدت فسحة للحوار في أيّ خلاف. وما أسرع دفع الهوى والغرور لحمل السلاح!!
زوجٌ لا يملك عقله، ويُفقده الطيش لأقل سبب صوابَه، ويتبع هواه تُسرع يده إلى لطم زوجته، ورِجله إلى ركلها لأتفه سببٍ وبلا تفاهم ٣٤.
أبٌ لم يتعلّم الرويَّة، ولا يحضره في مواقفه عقل ولا دين، ويغلبه غضبه لصرخةٍ من ابنه الطفل أو كَسْر شيء أو عبث بأثاث على يده ينزل به العقوبة التي تعيقه.
وحال الهوى في نزاعات الدول، والأحزاب، والحكومات مع شعوبها لا يختلف عنه في حياة الأفراد.
فحيث يكون عقل ودين يكون تريُّث، ومقايسة، وعرض على الشريعة، وتدبُّر في المصير، وتفكير في النتائج وقد ينهي ذلك النزاع، ويُعيد الأمور إلى طبيعتها وقد يُحرك الحرب في عقلانية ورشد وعدل وانضباط ٣٥.
وحيث لا عقل ولا دين لا لجأ إلَّا للغة السلاح.
في لغة الهوى السلاح قبل بل ولا شيء غير السلاح، وفي لغة العقل والدين الحوارُ أولًا ولا مبادرة أصلًا للسلاح إلّا مع انسداد أفق الحوار وعند الاضطرار. الأقوياء بما عندهم من سلاح يحتاجون إلى ضوابط فعلية ونفسية ودينية أضعاف ما يحتاجه من ليس عندهم قوة السلاح فكيف يصير الأمر إذا ضَعُفت عند القويّ أسباب الانضباط؟ ٣٦
ولا يُؤمِن هذا النوع من أقوياء السلاح بالحوار ولا يُلجأ إليه منهم إلا بعد عجز السلاح وفشل السّلاح.
هاك مثلًا من تونس في تجربتين وإن كان اللجوء إلى السلاح في تونس أقلّ منه بكثير من اللجوء إليه في بلدان أخرى، وإن تمسّك الحاكمون هناك كثيرًا بالسلطة وكابروا شديدًا محاولة التغيير.