محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٦٠ - الخطبة الأولى
عنده شأنها أبى لها أن تهون بالمعصية وتسقط بارتكاب الرذيلة وتتمرغ بالقبيح ولن تملك الشهوة أن توهن إرادته وتكسر عزيمته وتنسيه قيمة نفسه فيضحي بها نقرأ في هذا عن غرر الحكم كذلك من كرمت عليه نفسه لم يهنها بالمعصية من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته، ولا تصرع الشهوات إلا النفوس الصغيرة أما النفوس الكبيرة فلا يمسها شيء من هزيمة أمام أغلظ الشهوات وأشدها فتكا بعزائم الرجال ونقرأ من كلمات المصدر نفسه ما يأتي (من لم يهذب نفسه فضحه سوء العادة آفة النفس الوله بالدنيا لا تطلبن طاعة غيرك وطاعة نفسك عليك ممتنعة إن النفس جوهرة ثمينة من صانها رفعها ومن ابتذلها وضعها وباختصار تعلمنا هذه الكلمات النيرة الهادية أن النفس التي لم يخرج بها التهذيب عن وضاعتها لها فضائح يحاول صاحبها أن لا تنكشف للناس فتسقطه عندهم ولا ينستر الإنسان إلا أن يهزم سلطان النفس الأمارة بالسوء ويتغلب حتى تقلع عن عاداتها السيئة ولا يزين المرء إلا أن يهذب نفسه لتكون الجميلة التي لا يصدر عنها إلا الجميل أما أن احتفظ بالنفس الأمارة بالسوء وهي على أشد أمرها بالسوء وكلما أحاول أن أتستر بالسيئات فان العادة ستفضحني وسر مرض النفس وفسادها وترديها تعلقها بالدنيا وولهها بما فيها من زينة ومتاع وشهوة فمن عالج هذا الأمر من نفسه وانتصر على سحر الدنيا سلمت نفسه له وإلا خسرها وما أقبح الذين يتطلعون إلى طاعة الناس لهم بل يجبرونهم عليها وهم يعيشون ذل العبودية لنفوسهم وشهواتها ولا يملكون من أمر أنفسهم الأمارة بالسوء شيئاً.
أنا المهزوم لنفسي كيف أريد لنفوس الآخرين أن تنهزم أمامي كيف أريد للآخرين أن يأخذوا برأيي أن يكون لي فيهم تقدير وأنا المغلوب المهزوم المصروع أمام نفسي الأمارة بالسوء والنفس الإنسانية لم تنشأ قبيحة ولم تخلق بلا أهلية للكمال أوجد الله سبحانه النفس جوهرة ثمينة غنية بمواهب التقدم واستعداد السمو وقابليات الكمال وصونها عن القبائح يرفعها والأخذ بها إلى السمو يعليها وابتذالها واسترخاص شأنها بتركها للمعاصي والموبقات يضعها ويقضي على مكانتها ويطفئ نورها وينحدر بها المنحدر السحيق.