محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٥٩ - الخطبة الأولى
الإنسان كل عمره تنحرف بمساره عن الهدى وتأخذ به إلى السوء ما لم يكن له من تقوى الله ما يسكت صوتها ويكفيه شرها ويجعل لعقله ودينه الانتصار عليها، تبقى شابة في قوة دفعها إلى المعصية غلّابة لإرادة الإنسان على مدى السنين حتى وان قضى العمر الطويل وخفت كثير من شهواته واجتمع له من تجارب الحياة ودروسها ما يكفي لمواجهة اغاليطها وسوء ما تأمر به.
عن النبي (ص) (نَفْسُ ابْنِ آدَمَ شَابّةً وَلَوِ الْتَقَتْ تَرْقُوَتَاهُ مِنَ الْكِبَرِ، إِلّا منَ امْتَحَنَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ للتقوى، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) لا أمن على نفسي من نفسي ومن الشيطان الرجيم وأن بلغ بي العمر ما بلغ وإذا كانت النفس بهذه القوة في الدفع إلى المعصية والأخذ بصاحبها إلى المزالق والفضائح والمهالك فما أضر الاستلانة أمامها والاستنامة إليها والاستسلام لهواها فما يكون من أحد هذا معها إلا وأوردته موارد الشر كما تقول الكلمة عن أمير المؤمنين (ع) إن النفس لأمارة بالسوء والفحشاء فمن أئتمنها خانته ومن استنام إليها أهلكته ومن رضي عنها أوردته شر الموارد النفس الإمارة بالسوء وهي منا دائما لا يأتي في تعامل العاقل معها أن يغفل عن مراوغتها والتفافها وتوثبها وان يستنيم لها ويرضى عنها ويطمئن إليها ومن علم الرجل وإيمانه وفهمه وحكمته وبصيرته وسداد رأيه مراقبته لنفسه وعنايته بترويضها وتأديبها والاستقامة بها على الطريق.
فعن غرر الحكم (كلما زاد علم الرجل زادت عنايته بنفسه وبذل في رياضتها وصلاحها جهده) أبرز ما يظهر فيه العلم هو هذا الميدان ميدان النفس وترويضها وتربيتها والانتصار لنا على النفس لا لها علينا إذا جاهدناها وامتنعنا عليها وحملنا على تقوى الله فعن غرر الحكم كذلك (إذا صعبت عليك نفسك فاصعب لها تذل لك وخادع نفسك عن نفسك تنقد لك ولا شيء أولى عند عاقل بالإصلاح من نفسه ولا فساد أثقل عليه من فسادها ولا انفع عنده من تخليصها من سوءها وفحشها وقبحها فمن الكلمات عن الغرر استدراك فساد النفس من أنفع التحقيق ومن هانت عليه نفسه تركها تتمادى في غيها وتنحدر ما شاء لها الهوى وتنفصل عن الحق والهدى كل الانفصال ويكون مأواها النار أما من كرمت عليه نفسه وأقام لها وزنا وعز