محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٥ - الخطبة الأولى
وعليه كان وجود النفس دالًّا يقينًا على أنَّ لها صانعًا مدبّرًا. وهو الصانع الخالق المدبّر لكلِّ ما في الكون والوجود مطلقًا ممن هو مثلها في كونه شيئًا له وجود ولكنه ليس حقيقتُه هي حقيقةَ الوجود كما هو الله سبحانه [١].
ولأنَّ ظهور كل المخلوقات بخالقها [٢]، والمربوب بالرَّب، ولولاه لما كان لها نصيبٌ من الظهور فالحق أنه هو الدّال عليها، وليست هي الدالّ عليه [٣]، ولا تملك نفسٌ أي دلالة على ذاته، ولا على صفةٍ من صفاته وأسمائه الحسنى. والاستدلال عليه سبحانه بخلقه إنما هو بما أعطى هذا الخلق من دلالة عليه من خلال تجلِّي شيءٍ من عظمته فيه [٤].
٣. تزكية النفس:
متابعة شهوات النفس فيها عمى القلب، وانحجابه عن الرؤية.
وتزكية النفس وتهذيبها يُخلِّصها من أسر الشهوات، وينفتح بها على الأخذ بالحقّ، ويجعل لها أُنسًا به، ويجعلها مشدودةً إليه، طالبةً له.
وفي جوِّ نفسٍ من هذا النوع يتمتع القلب بكامل بصيرته، وينفتح أمامه مدى الرؤية، وترتفع من أمامها الحواجز المصطَنعة، فتصحّ المعرفة، وتكبر، وتزداد في الصّفاء.
[١]- فرق بين كل المخلوقات وبين الخالق أن الله محض الوجود ولا غير، بينما نحن أشياء وحقائق وماهيات صغيرة محدودة أكسبها الله عز وجل وألبسها ثوب الوجود.
[٢]- لا يظهر مخلوق إلا بخالقه.
[٣]- أنا لا أدلّ على الله، وإنما الله عز وجل دلّ عليّ.
[٤]- أنا أرى منك قدرةً محدودة من قدرة الله المطلقة، أنا أرى منك علما محدودا من علم الله المطلق، أنا أرى الله سبحانه وتعالى فيك، أنا أرى فيك الله عز وجل في صورة تجلٍّ محدود بقدرك وليس أكثر.