محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٣٠ - الخطبة الأولى
وهل هذه الفراغات، وهذا التخلّف عما يتطلّع إليه الإنسان، وعمّا هو مرتكز في نفسه من وجوب الاقتصاص من الظالم، والانتصاف للمظلوم هل ينسجم هذا كله مع ما عليه محدودية الحياة، ومع ما عليه عدم قدرة هذه الحياة على تلبية هذه التطلعات وهذه الآمال وهذه المشاعر وهذه الأفكار العميقة الثابتة الأصيلة؟
وهل هذا منسجم مع كون عريض عظيم إنما وُجِد لينتهي، وبُني ليُهدم، وأن يكون الهدف من قيامه السقوط، ومن بنائه الهدمَ والانهدام؟! وبنهايته وانهدامه تنتهي كل قصته وقصّة حياة الإنسان بفكره العابر للزمان والمكان والمحدود، وشعوره البعيد من كل آفاق حياته الدنيوية، وتطلّعه الذي لا يقف عند حدود ما تُطيقه من سعادة، ومن كل امتداد تُفرض له نهاية من امتدادات الحياة؟ ٥
وهل تنسجم خاتمة الموت الأبدي للإنسان من غير أن يلقى ثواب إحسانه، أو يواجه عقوبة سيّئات تراكمت عليه قبل موت وبعد موت وهو يدرك في حياته انسجامه مع ذاته حال الحسنة، ومفارقته لها قبل اشتداد تلوّثها حال سيّئته، وأنّ من حق إحسانه أن يُقابَل بالإحسان، ومن شأن سيئته أن تقابَل بمثلها حسب محكمة ضميره في أصله ٦
وهل تنسجم هذه الخاتمة المأساوية التافهة للكون كلّه، وللسماء والأرض والإنسان ما يشهد به البناء الكوني وكلّ ما في السماء والأرض وكيان الإنسان من دقّة الصنع، وروعة التكوين، والحكمة وراء كلّ ذرّة، وكلّ وزن، وكلّ معادلة، وكل علاقة سببية ومسبَّبية، وكل مقدمة ونتيجة، وما يكشف ذلك عنه من الحياة والقدرة والعلم والإرادة الحكيمة المطلقة؟! ٧
الكون وكل ما في الكون لا يتحدّث عن حي وراء صنعه غنيّ بالحياة ذاتا حياة كاملة مطلقة هي أصل كل مستويات الحياة لكل من أُعطي الحياة فحسب ٨ وإنما يتحدث مع ذلك عن علم وقدرة لا حدود لهما وعن إرادة كريمة مطلقة، وحكمة ودقّة، ورحمة ولطف