محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٢٩ - الخطبة الأولى
إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ، وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها وَ حُقَّتْ، وَ إِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ، وَ أَلْقَتْ ما فِيها وَ تَخَلَّتْ، وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها وَ حُقَّتْ ٢
إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا، وَ بُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا، فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا ٣ ٤
وإذا كان الكون يسير إلى نهاية بنيته القائمة، وسيؤول إلى أن تكون السماوات غير السماوات، والأرض غير الأرض فلماذا قيام هذه السماوات، وهذه الأرض، ولماذا هذا الإنسان بكلّ أجياله السابقة واللاحقة في تدفّق دائم على مدى قرون متطاولة ليبلغ في أعدادها المليارات التي تضيق عنها الأرض لولا رحيلها بصورة متتالية إلى عالم القبور، ولماذا هذا العقل النافذ البعيد المدى عند الإنسان، وعبوره حدود هذه الحياة وكل الكون المادي؟ ولماذا هذا الشعور الغزير الأصيل في بناء الإنسان وصميم كيانه النفسي إلى الخلود، وهو أمر لا تحقّق له في هذا الحياة؟ ولماذا هذا التعلّق عند الإنسان بالحياة السعيدة التي لا يشوبها شقاء في بُعدِ من أبعادها، وهو الأمر المستحيل في عالم دنياه وكل مدة هذه الحياة؟ ولماذا هذا التطلّع العميق الثابت في داخل الإنسان بأن يُنصف من ظالمه، وأن يعيش حياةً لا ظلم فيها ولا هوان ولا إذلال؛ الشيء الذي لا توفُّر عليه بالمستوى المطلوب لأحد في إطار الحياة الدنيوية وما تتسع طبيعتها له؟ ولماذا هذا الشعور عنده بأن من استرجع منه حقه الذي سلبه إيّاه لم يظلمه، وأن من اقتصّ بما يساوي جريمته في حقّه لم يتجنّ عليه وإن آلمه اقتصاصه منه؟
ولماذ الشعور عند الغاصب حقّ الغير، والمعتدي بأذاه، والمتسبب في شقائه بتأنيب الضمير قبل أن أن يموت ضميره بكثرة الظلم والتعدي والآثام، وبأنه أهل للعقوبة؟ ولماذا هذا الإيمان بالغيب في كلّ الأمم، وفي كل الأجيال والمكان والزمان قبل تدخّل التربية في صناعة قناعات ومشاعر وأفكار الإنسان؟