محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٦٥ - الخطبة الثانية
والحكومات التي بنت الإرهاب في هذه الأمة، وغذته بالخبراء والجهود والمال والسلاح والتدريب، أفزعها الخطر الذي يتهدّدها من قوى الإرهاب التي تمرّدت على إرادتها ففزعت تُجيّش الجيوش، وتبذل المليارات، وتشن الحرب على كيانات بنتها بيدها، وهكذا تُبذّر ثروات الأمة في بناءٍ يهدم الأمن ويقوض الاستقرار، وينشر الرعب والهلاك، وتُنفقها ثانيًا لدرء الخطر لا عن الشعوب وإنما عن كيانات تلك الأنظمة.
وما حدث في مصر من ذهاب حكم الإخوان المسلمين، وفي تونس من تراجعٍ في موقع حزب النهضة في الانتخابات النيابيّة الأخيرة؛ واقعٌ يقول لنا:
بأنّ الشعوب ترتقب من أيّ حزبٍ سياسيّ، ومن أيّ نظامٍ حاكم الصِّدْقَ العمليّ في وعوده المعسولة، وإخلاصه لها، وعدله فيها، وتحسينه ما استطاع للأوضاع القائمة، وعقلانيّته، ورشده، وأمانته، ونزاهته، فإن رأت منه ذلك كانت معه، وكانت يدًا تحميه، وعينًا تحرسه، ولسانًا يدافع عنه، وإنْ أخلفها الوعد، ورأت منه ما ينكره وما عهده من مظالمَ سبقت من سلفه، أو عدم تعقّلٍ وخروجًا على الواقع بما لا ينبغي بدأ تخلّيها عنه، وبَدَأ انقلاب فئات من الشعب عليه قد تؤخّر موقعه أو تسقطه.
الشعوب اليوم لا تُقاد قود الأغنام، ولا تستسلم للإعلام والدعاية، وأخذت على نفسها أن تقاوم انحراف الأنظمة السياسية قديمةً كانت أو حديثة، حكمت هذه الأنظمة باسم العلمانية أو الدين أو الديمقراطية؛ فضلًا عن أساس حكمٍ يقوم على الوراثة.
أخذت على نفسها الشعوب أنْ تكافح لنيل حقوقها حتّى تصل إليها ولو على المدى البعيد. وكلّ وسائل التلاعب بعقليّة الشعوب ونفسيّتها مِمَّا تجدها الحكومات وتبحث عنها في غير مقدورها أنْ تُخدّر الشعوب، وتسلبها وعيها، وتشلّ إرادتها الناهضة المندفعة القويّة.