محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٥٧ - الخطبة الأولى
وما يجتمع لهم من مال وزينة في الدنيا مستحوذة على كلّ اهتمامهم، صارفة لهم عن الالتفات إلى غاية الحياة، والمستقبل من بعدها.
والمفارقة الكبيرة عند هؤلاء أنهم يرجون خير الآخرة، ويمتدّ تطلّعهم إلى الفوز فيها، والتشرّف برضا المولى الحقّ تبارك وتعالى مع ما هم عليه من انصراف للدنيا. وإذا كانت الدنيا لا يُنال خيرها إلا بالعمل لخير الآخرة فلا سبيل إليه من التساهل بأمرها، وترك السعي في سبيلها.
ومن طول أمل المرء أن يتعلّق بالجمع من الدنيا لعمر المئات من السنين، وهو في التسعين من عمره، وقد هدّت جسمه العلل، وحتّى لو كان في العشرين من العمر ومتمتّعًا بصحّته وفتوّته.
٢. عن الإمام عليّ عليه السلام:" رب طمع كاذب، وأمل خائب" ٨
ما أكثر من تكون له أطماع من أطماع هذه الدنيا فوق مقدوره بمرّات، أو فوق سعيه وبذله في سبيلها، وهذه مطامع كاذبة بالقياس إلى ما تسمح به طبيعة الواقع؛ والآمالُ المتعلّقة بها لابد أن تخيب. وإذا كثرت خيبة آمال نفس أصابها من خيبتها تلك يأس قاتل، وقنوط بئيس، وألمّت بها الأسقام.
٣. وعنه عليه السلام:" أنفاس المرء خطاه إلى أجله، وأمله خادع له عن عمله" ٩
من الآمال ما لا يجدي في تحقيقه سعيٌ ولو جدّ، ولا محاولة وإن عظمت كأمل أن يُعمّر أحدنا ألف سنة وألفين، ومثل هذا الأمل الممتدّ لا يجعل صاحبه يبادر للتوبة، أو يخرج من تقصيره وإسرافه على نفسه متداركًا للأمر، جادًّا في طلب الآخرة.