محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٤٤ - الخطبة الثانية
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.
عباد الله قضيّة ينطق بها العقل والدين، وليس من عاقل يختلف فيها مع عاقل وهي قضية تقديم الأهمّ على المهمّ، والتضحية بالمهمّ من أجل الأهمّ، يستوي في ذلك أمر الدنيا كلّ أمرها، وأمر الآخرة في جميع ما يتعلّق بها.
والقضية نفسها جارية فيما بين هذه الدار والدار الأخرى، فأهمّهما يُضحّى لأجلها بالأخرى.
فحينما يكون على الإنسان أن يضحّي بأمر من أجل آخر من أمور الدنيا، أو بواحد من أمرين من أمور الآخرة لضيق قدرته على الجمع بينهما عليه أن يتبيّن الأهمية لأيهما، وما المرجع في ذلك إلا العقل فيما يدركه، وشريعة الله فيما لا يدركه العقل، وما كان هو الأهمّ ضُحّي من أجله بالمهمّ.
ولتحديد الأهم من المهم في الشريعة المقدسة ضوابط يعرفها الفقهاء من خلال علمهم؛ علم الفقه والأصول، وعلى ضوء هذه الضوابط مثلًا يُقدّمون إنقاذ الغريق المؤمن على الصلاة حتّى مع ضيق وقتها؛ حيث إن لها بديلًا اضطراريًّا من القضاء، في حين أنهم يلزمون بالجهاد الواجب حتى مع الاحتمال الكبير لتلف النفس تضحية في سبيل الله، وحفاظًا على الدين.
وبعد تبيّن الأهمّ من المهمّ لا توقّف من عقل ولا دين في الأخذ بما هو الأهم يقينًا أو احتمالًا لا يكون معه احتمال الأهمية للطرف الآخر، وأن يُتخلّى عما هو مهمّ من الأمرين.
وأمر الآخرة مقدّم على أمر الدنيا؛ فالتضحية بربح الدنيا من أجل ربح الآخرة ١٢، وارتكاب الخسارة في الدنيا من أجل دفع الخسارة في الآخرة هو المأخوذ به عند عدم إمكان الجمع بين الربحين، أو الدفع للخسارتين معا.