محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٣٢ - الخطبة الثانية
الحرية تكوينية وتشريعية؛ والحرية التكوينية إطارها، وما يحدّها مدى قدرة الإنسان على الحركة والتصرّف كما يريد، وتحكُّمه في قوانين الكون وجودًا وعدمًا وتأثيرًا وفاعلية وأثرًا ٧
ومعروف أنَّ الإنسان محكومٌ في حياته وبقائه للقوانين والأسباب التي ليس شيء منها من صُنعه، ولا يملك أن يحذف منها أو يزيد أو يُغيّر، فحريته وحركته التكوينية لا تخرج عن هذه الشبكة الواسعة المُحكمة من الأسباب والقوانين، وهو وكلّ الكون وقوانينه مقهورٌ أمام إرادة الله سبحانه.
وهناك الحرية التشريعية؛ وتتمثّل في مدى السّماح والمنع القانونيّ الاعتباريّ للفعل الذي يمكن للإنسان ممارسته، والتخلّي عنه، مما تتسع له قدرته تكوينًا.
قد يكون الشيء مقدوراً لك تكوينًا غير مقدورٍ لك تشريعًا، وقد يكون مسموحًا لك تشريعًا لكنه لا يمكن لك من ناحية القدرة التكوينية أن تأتيه، والحريَّة التشريعيّة تتسع وتضيق حسب نوع الشرائع والقوانين التي منها الإلهي ومنها الأرضي والبشري.
ولا يوجد قانونٌ إلهيّ أو بشريّ يطلق للإنسان في مجتمعٍ يراد له الاحتفاظ بالبقاء وصفته الاجتماعية أن يفعل كل ما يريد، ويترك كل ما لا يريد بلا قيدٍ ولا شرط، هذا شيء ٨
والحرية التشريعية الإلهية فيها مراعاة لحقيقة الإنسان، وتركيبته الطبيعية، وحاجاتها المختلفة ما كان منها حاجات روح، وما كان منها حاجات بدن.
وكثير من شرائع الأرض يكون تركيزها على الجانب الماديّ من وجود الإنسان، وحاجات بدنه، وإشباع الشهوات المتصلة بهذا الجانب منه فحسب، والإسلام العادل لا يُفرّق في الحقوق والواجبات الموضوعيّة لتنظيم حياة الإنسان ومجتمعه الصالح، وعلى طريق غايته الكبرى بأن يبخسَ حاجةَ روحٍ لبدن، أو حاجة بدنٍ لروح، إلا فيما إذا وضعت الإنسانُ ظروفَه القاهرة بين أن يخسر دنياه أو يخسر آخرته ٩؛ أو يبخس المرأة للرجل، أو يبخس