محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٩ - الخطبة الأولى
الإنسان يشهد ذاته شهودًا واضحًا حيًّا وأنّه مزاجٌ من قِوى وأبعاد متعدِّدة، وطباعٌ مختلفة تأتلف منها [١] لا حيلةَ لها في خلقها ولا إلغاء شيءٍ منها ولا إبقائها ولا الملاقاة بينها في الصورة المنسَّقة التي تجمعها، ولا التفكيك التكويني لواقع الترابط الذي يحكمها [٢].
ولا تنفكُّ هذه المعرفة بالنفس عن أثرها الحتميّ فيها من المعرفة بالربِّ تبارك وتعالى، ولذلك فلا عُذْرَ لدعوى أحد بأنه لا سبيل إليه لمعرفة الخالق والحاجة إليه [٣].
وأنه [٤] غير كلّ نفس خاضعةٍ لما تخضع له هذه الذّات أو تلك من فَقْرِ الذات في نفسها وحاجتِها الدائمة لمن يمُدّها بكلّ مالها مِن وجودٍ وقٍوى ومواهب، وما هي عليه من حالة ائتلاف وتلاقٍ وتنسيق بين مكوّناتها [٥].
ثم إنّ معرفة النفس على مراتب، وأعماقُ هذه المعرفة وسَعَتُها متفاوتة. وكلّما عمُقت المعرفةُ بالنفس كانت معرفة صاحبها بربّه أعظم، وبشأن خالقه أجلّ. وما انكشف لنفس عن أيِّ طريق من الطُّرق الموصلةِ سرٌّ من الأسرار التي تغنى بها خلْقتُها إلا كَبُر شأن الله عندها، وزاد تسليمُها لعظمة بارئها.
[١]- أي نفسه وذاته.
[٢]- كل ذلك لا حيلة له فيه.
[٣]- حجّة كلّ نفس مقطوعة، يعني ليست لها حجّة، الحجّة قائمة عليها في معرفة الربّ وليس لها.
[٤]- وهو الله تبارك وتعالى.
[٥]- أنا أراك فقيرًا، وأنت تراني فقيرًا مثلك، أنت تعرف من نفسك أنك فقير ذاتا كما تعرف عني أني فقير ذاتا، فلا تتوقع عندئذ أني خلقتك، ولا أتوقع أنك خلقتني. وكل الكون خاضع لهذا الفقر؛ واقع الفقر الذاتي الذي لا يمكن أن يخرج من ظلمته بنفسه.