محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٤٤ - الخطبة الأولى
٢. الرغبة في الدّنيا:
عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:" من يرغبُ في الدّنيا فطال فيها أملُه أعمى الله قلبه على قدر رغبته فيها" ٤
وعن الإمام عليّ عليه السلام في صفة أهل الدّنيا:" سلكت بهم الدّنيا طريق العمى، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى، فتاهوا في حيرتها، وغرقوا في نعمتها، واتخذوها ربّا، فلعبت بهم ولعبوا بها، ونسوا ما وراءها" ٥
كل درجة من الرغبة في متاع الدنيا وزينتها وترفها وما تجاوز النافع منها، وكل استلانة أمام زخرفها ولذاتها، وكل استسلام من النفس لمحرماتها يضيع به شيء من عقل الإنسان، ويفقده شيئًا من حكمته، وتغيم به رؤيتُه، وتعشو بصيرته، ويصيبه تيه وضلال وذلك ما لذلك الاستسلام والدرجة من الاستنامة والاستلانة من قدر.
هذا الولع بالدُّنيا، والانجذاب لها يسلك بصاحبه طريقًا لا يسلكه إلا أعمى ضلّ الطريق، وضيّع الغاية. إنه تأليه للدنيا واتخاذ من هذا المتوله بها لها له ربًّا ليتحوّل لعبة بيدها، ووجودًا تعبث بعقله وقلبه، وتُفسد عليه وجوده، وتصرفه عن غايته ٦، وعابثًا في أيامه فيها، ويُحوّلها هذا التأليه عابثًا بغايتها وقيمتها.
٣. الغفلة:
وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ٧
قل لي ما حال الأنعام لو تُركت لأن تدير شؤون حياتها وتُفرّق بين ما يصلحها ويفسدها وهي على ما هي من عدم الإدراك، ومن غير أن تأخذ بها غرائزها إلى ما يحفظ عليها وجودها وحياتها؛ فهل كانت تبصر مصلحة أو مفسدة، وتُميّز بين نافع وضار، وتملك أن