محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٢٩ - الخطبة الأولى
أما بعد أيّها الأعزّاء من المؤمنين والمؤمنات فمع متابعة أخرى للحديث فيالبصيرة:
نماء البصيرة:
ما من واقعِ كمالٍ في أيّ بُعدٍ من أبعاد الإنسان يتحقق له في حياته إلّا وكان وراءه منشأٌ من فطرته، وأصلٌ طبيعيٌّ في وجوده.
أمّا ما يصل إليه هذا البُعْدُ من درجة من درجات النماء والكمال فيأتي في السُّنة العامّة التي اقتضتها الحكمة الإلهية عن طريق الجهد الإنساني على طريق منهج الله تبارك وتعالى لتربية وتكميل عباده.
فلكمال الإنسان مناشئه وطرق نمائه، وتقدّم الكلام في المناشئ، وهذا كلام في طُرُق النماء والزيادة.
١. نماء التفكير:
القدرة على التفكير عند الإنسان موهوبة له من ربّه، وعليه أن يطلب تفعيلها بما يضيف لها قوّة واشتدادًا، ويزيد من عطائها، وذلك عن طريق إعمال هذه القدرة بالتفكير والتدبُّر والتبصّر فعلًا، وأن يصبر على ما يقضي به التدبُّر والتبصُّر والتبحُّر في الأمور من جهود مضنية.
أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَ زَيَّنَّاها وَ ما لَها مِنْ فُرُوجٍ، وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، تَبْصِرَةً وَ ذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ١.
وكم من فرق بين من يُعمِلُ تفكيره في خلق السماوات والأرض، ومن يتعامل مع هذا الخلق العظيم بلا تفكير؟! وكم هو البون الشاسع بين من ينظر إليهما نظرة عُجلى عابرة، وبين من ينظر إليهما بالنظر العلمي الغزير؟! ٢ وكم من مسافة بين تفكّر من عقل لا تحصيل له في العلم وبين عقل صقلته علوم كثيرة وغزيرة؟!