محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٤ - الخطبة الأولى
أعطى الله بكرمه الإنسان وبتشريفه له العقل الاستدلالي الذي يأخذ به في مسار علمي برهاني طويل يبني له به معرفةً متراكمة متنامية تقوم عليها بصيرة واسعة وسعادته في آخرته ودنياه. وهو نور يمشي به في هذه الحياة، ويسلك به طريقَه إلى الحياة الأخرى مبصرًا راشدًا.
وليس معنى ذلك استغناءَ الإنسان بعقله في بلوغ أهدافه، وإنما لأنَّ العقل مع عطائه للإنسان ودلالاته الرَّاشدة له، له دلالةٌ كبرى، وإراءةٌ واضحة للإنسان في حاجته لأخذ منهج حياته الكامل المصيب في دائرة الفرد والمجتمع من الله [١]، والرجوع في ذلك لرسالاته فلا بُدَّ للإنسان إذًا من طلب العلم بمنهج الله، والأخذ به حتى يمكن له أن يبلغ أهدافه الكريمة فيها، وأن تتحقَّق له الغاية التي كانت من أجلها هذه الحياة.
عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث طويل:
" قيلَ لَهُ- أي لأبي عبد الله عليه السلام-: فَهَل يَكتَفِي العِبادُ بِالعَقلِ دونَ غَيرِهِ؟ قالَ: إِنَّ العاقِلَ- لِدَلالَةِ عَقلِهِ الَّذي جَعَلَهُ اللّهُ قِوامَهُ وزينَتَهُ وهِدايَتَهُ- عَلِمَ أنَّ اللّهَ هُوَ الحَقُّ، وأنَّهُ هُوَ رَبُّهُ، وعَلِمَ أنَّ لِخالِقِهِ مَحَبَّةً، وأنَّ لَهُ كَراهِيَةً، وأنَّ لَهُ طاعَةً، وأنَّ لَهُ مَعصِيَةً، فَلَم يَجِد عَقلَهُ يَدُلُّهُ عَلى ذلِكَ [٢]، وعَلِمَ أنَّهُ لا يوصَلُ إِلَيهِ إِلّا بِالعِلمِ وطَلَبِهِ، وأنَّهُ لا يَنتَفِعُ
[١]- العقل يشعر بالحاجة إلى أخذ منهجه الكامل للحياة من الربّ سبحانه وتعالى، وهذا ما يكمّل له معرفته ويجعلها مثرية لحياته، بالغة به هدف هذه الحياة.
[٢]- يعني على تفاصيل ما هو طاعة، وتفاصيل ما هو معصية، العقل لا يملك هذا، لا يملك أن يشخّص ما هو أمر الله هذا في كل مورد مورد، وما هو نهيه.