محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٣٢ - الخطبة الثانية
كان يكفي بالأمس لضمان الحاكم من حكّام الأمَّة واطمئنانه للبقاء في كرسي الحكم طيلة حياته أن يصل إلى هذا الكرسي من أي طريق.
أمّا اليوم فصار على الحاكم الذي يتسنّى له الوصول إلى كرسي الحكم أن يقلق دائمًا للبقاء محتفظًا بموقعه، وأن يشعر بأن موقعه مهدَّد، ذلك لأن الشعوب ارتفع مستوى حسها السياسي ووعيها، وتمسّكها بحقوقها، وأدركت موقعها الكبير والطبيعي في قضية الحكم، وصارت تتابع أخبار السياسة والحاكمين وتراقب تصرفاتهم، وتطّلع على أخبار الداخل والخارج القريب والبعيد منها مما هو متّصلٌ بواقع السياسة، وحركات الشعوب وثوراتها.
صارت تملك من إرادة الثورة والإصلاح وروح التضحية من أجل تصحيح أوضاعها والتخلُّص من ظلم الحاكمين واسترداد حقها في الكرامة والحرية الشيء الكثير مما يدفع بها للمطالبة بالإصلاح والتغيير.
ومن جهة أخرى وجد الحاكمون من قلقهم على كرسي الحكم ما يدفعهم إلى أن يبحثوا عن ضمانة الاحتفاظ بالموقع العزيز على نفوسهم عن كل وسيلة من أي نوع من الحيلة والخداع والتضليل الإعلامي الواسع والبطش والإسراف في القوة وعقد التحالفات التي تحمي الكرسي ويرون فيها استقراره.
وبذلك صار الحكم مَتعَبة للحكّام وعذابًا وشقاء للمحكومين، ومعاناة مرة لكلٍّ من الطرفين.
وصار على كثير من الحكام أن يرتهنوا للإرادة الأجنبية طلبًا للأمن من الشعوب لما يعرفونه من أذاهم لها.
والسالكون طريق العدل ورعاية مصالح الشعوب من حكومات الأمة لنيل ثقة شعوبها مما يوفر راحة الطرفين قليل من القليل، بل هو الشيء النادر كلّ الندرة.