محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٧٣ - الخطبة الثانية
إنّ أوضاع العالم العمليَّة اليوم وأحداثه الجارية على يد الإنسان، وما تُنتجه السياسة في دول الاستكبار العالمي والدول التابعة له لَتؤدّي شهادةً صريحةً على الانحراف الخطير الذي آلت إليه البشرية في وضعها الحاضر والانحدار البيّن الذي تعاني منه إنسانية الإنسان الذي تسبَّبت فيه حضارته المادية، وقِيَمه الأرضيّة.
الإنسان يُعادي الإنسان، يسعى إلى إضعافه، شعوبٌ بكاملها تعيش الشقاء بسبب التسلّط الظالم من طغاة الأرض ومصّاصي دماء الشعوب وأصحاب الجشع المادي، دُول يكيد بعضها ببعض، وأنواع الفساد تغزو كلَّ العالم، وتدهورٌ خُلُقيٌّ يعمّ أكثر سكان الأرض، وحروب طاحنة لا تفتر بدافع البغي والنهب والاستغلال، وتحالفات عدوانية وراءها نفوسٌ شريرة وأهداف من طبيعتها، وعِلْمٌ ودين خاضع لإرادة الطواغيت وموظَّف لخدمة بغيهم وعدوانيتهم. وهكذا يغرق العالم اليوم في بحرٍ من الضلالات والفتن والشرور المهلِكة والكذب والتزوير.
هذا الانحراف الخطير الذي تعيشه البشرية اليوم والذي ينطق الواقع المتردي بشهادة صارخة عليه يأتي نتيجة حتميّة لروح الحضارة المادية التي سرت في العالم، وهيمنت على الإنسان فكرًا وشعورًا ومسلكًا.
والإسلام العظيم الذي يُعلَّق عليه أمل إنقاذ العالم من محنته، وتصحيح مساره، وإرجاعه إلى رُشده وإنسانيته يتعرَّض إلى تزوير عمليٍّ فظيع لابد لأصحاب الدّين والرُّشد والحكمة من أبناء هذه الأمّة من كلِّ المذاهب من المبادرة لمواجهته قبل أن تفلت الأمور، وتصير إلى ما هو أسوأ وأفتك بالإسلام والأمَّة.
وما يجري من مذابح ومجازر بشعة في صورة حيوانية شرسة، وما يحصل من اختطاف الأبرياء، وتعدٍّ على الأعراض، واستباحة للأموال، وحرق للثروة العامة، ومباهاة وتفاخر