محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١١٥ - الخطبة الأولى
فالله سبحانه لا يعرف ما هو إلا هو، وإن كان لا يمكن لشيء أن ينكره. تقول الكلمة عن سيد المرسلين صلَّى الله عليه وآله وسلم:" يا من لا يعلم ما هو إلا هو" ١٢،" سبحانك ما عرفناك حقّ معرفتك" ١٣.
وينضاف إلى حجاب النقص الذاتي والإمكان والمحدوديَّة عند الخلق حجاب الذنوب عند أهل المعصية حتى لَيَصِل بصاحبه إلى أن لا يرى لله فاعلية ولا نعمة ولا وجودًا ولا أثرًا.
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ١٤.
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ١٥.
والرين صدأ يعلو الشيء الجليل كما قال الراغب الأصفهاني في كتاب مفردات ألفاظ القرآن. هذا الصدأ منه ما تُمثِّله المعاصي التي توجد غشاوة وظلمة على قلب العاصي لله سبحانه حتى يمنعَ بتراكمه وكثافته رؤيةَ القلب عن رؤية الحقّ والحقيقة، ولا يملك أن يُميّز بين حقٍّ وباطل.
وهذا القلب الذي عَمِي عن الحقّ يُحجب عنه ما يُنقذه من رحمة الله ١٦، ويمنعه منزلة القرب والكرامة.
وانظر إلى ما يَعنيه اختيار كلمة ربّهم في قوله سبحانه: ... كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ١٧ وذلك في يوم الحاجة العظمى والكرب الذي لا يطاق، والخوف الذي لا يحتمل. انظر إلى ما تعنيه من أن تخلي الربّ عن المربوب الذي لا ربّ له غيره من ضياع وغربة وشقاء وانقطاع أمل واستيلاء يأس، واستسلام للبلاء والعذاب ١٨.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.