صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٩٨ - خطا ب
حكومة تمارس السياسة في كل عصر، تلك السياسة العادلة التي يمكن بواسطتها إقامة الصلاة والصوم والحج وجميع المعارف الأخرى، والتي تفتح الطريق أمام المفكرين لتقديم أفكارهم بكل اطمئنان وسكينة. بناءاً على هذا، لايجب أن نظن أنّ الولاية هنا بمعنى الامامة، والامامة من فروع الدين، كلا؛ هذه الولاية عبارة عن الحكومة. إنّ الانحرافات من هذا القبيل كثيرة جداً ولايمكن إحصاؤها.
الانحراف عن سيرة النبي والًائمة (ع) في السير والسلوك
لقد تصورت طائفة كبيرة أنّ معنى العرفان امتلاك الانسان لمنزلة معينة وقوله لذكرخاص وأدائه لمجموعة من الحركات وماشابه ذلك. هذا معنى العرفان؟! حاز الامام علي (ع) أعلى مراتب العرفان ولم يقم بأي مما ذكر. كانوا يتصورون أنّ من أصبح عارفاً يجب عليه أن يتنحى جانباً ويتخلى عن كل شيء، ويؤدي مقداراً من الأذكار ويفعل كذا وكذا. برغم أنّ أميرالمؤمنين (ع) كان أعرف خلق الله بعد رسول الله في هذه الأمة، وأعرفهم بالله تعالى لم يتنح جانباً ويدع كل شيء، ولم يشكل حلقة للأذكار أبداً، كان منهمكاً بأعماله ويقوم ببعض ما ذكر أيضاً. أو يتصور أنّ السالك الى الله عليه أن يترك التعامل مع الناس ومعاشرتهم، فليحدث ما يحدث في المدينة، إنّني سالك، عليّ أن أنزوي عن الناس وأقرأ الأوراد، وأصل الى مرحلة السلوك- كما يدعي-.
كان الأنبياء سالكين الى الله أكثر من غيرهم، والأولياء كذلك، لكنّهم لم يتنحوا جانباً ويقولوا: نحن سالكون، لانتدخل بما يحدث للأمة، فليفعل كل واحد منهم مايشاء. اذا كان من المقرر أن يتنحى السالك جانباً فكان على الأنبياء أن يفعلوا ذلك ولم يفعلوه. كان موسى بن عمران سالكاً الى الله ومع ذلك تحدى فرعون وفعل به ما فعل، كذلك قام إبراهيم بما قام به على غرار موسى، كذلك فعل رسولنا الكريم كما نعلم جميعاً. قضى رسول الله (ص) مدة مديدة بتهذيب النفس والسلوك وسبر أغوار المعارف الالهية، وعندما سنحت له الفرصة انتهزها لتشكيل حكومة سياسة من أجل إيجاد واستقرار العدالة. حينئذ يتمكن كل شخص من تقديم ما لديه. عندما يكون الانسان مشوشاً وضطرباً لا يستطيع تقديم شيء، لن يتمكن أهل العرفان مثلًا من تقديم عرفانهم في جوّ يسوده القلق والفوضى، ولا الفلاسفة ولا الفقهاء ولا غيرهم، لكن لو أمست الحكومة حكومة العدل الالهي، وطبقت العدالة بحذافيرها، وردعت الانتهازيين عن نيل أهدافهم المشؤومة، لأصبح الجو هادئاً ومستقراً، عندئذ يمكن تقديم المزيد في هذا الجو المناسب. بناءاً على هذا قيل «ما نُوديَ بشيء مثلَ مانُوديَ بالولاية «لأنّها عبارة عن الحكومة. لم يُدع الى أي شيء مثلما دعي الى هذا الامر السياسي، نعم إنّه أمر سياسي كان في زمن ا لنبي (ص) وزمن أمير المؤمنين (ع)، ولو توفرت الفرصة المناسبة فيما بعد لاغتنمت. لقد