صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٣٥٥ - رسالة
ولدي: عليك بإصلاح نفسك طالما لم تفتقد نعمة الشباب فلا يبقى منها شي في الهرم؛ وأحد مكائد الشيطان إن لم يكن أكبرها هو الاستدراج الذي ابتلي به أبوك، ففي مرحلة الصبا كان شيطانه الباطني وأعدى أعدائه يصده عن القيام بإصلاح ذاته ويغريه بطول الوقت وسعة الزمان، الآن مرحلة التمتع بالشباب وكل لحظة وساعة ويوم يمر على الانسان يمنيه بوعوده الفضفاضة ليثنيه عن عزمه ويسلب منه حلاوة أيام الصبا، ولما يؤول الشباب الى الانقضاء يؤمله بالتدارك في المرحلة المشيب، ولا تفارقه وساوس الشيطان في هذه المرحلة أيضاً فيعده بالتوبة والانابة في آخر العمر، وفي آخر العمر ولحظات الموت يصور الحق تعالى أبغض موجود له إذ سلبه حبيبته الدنيا.
هذه حال من امتلك بصيصاً من نور الفطرة ولم ينطفأ عن آخره، وهنالك أشخاص غارقون في بحر الدنيا قتلت فيهم روح التوبة والانابة فانهمكوا في ملذاتها من قمة الرأس الى أخمص القدم، وقد رأيت أناساً ممن يسمون بأهل العلم على هذه الشاكلة وبعضهم على قيد الحياة ولا يعتبرون الدين شيئاً يذكر.
ولدي: إحذر من ذلك فلا أحد منا يضمن عدم وقوعه في حبائل الشيطان.
عزيزي: إقرأ أدعية الأئمة المعصومين (ع) لترى أنّهم يعتبرون حسناتهم سيئات، ويعدون أنفسهم مستحقين للعذاب الالهي، ولا يشغل بالهم سوى رحمة الباري تعالى، بينما ترى أهل الدنيا ومن تلبس بلباس الدين يأولون هذه الأدعية؛ لأنّهم لم يعرفوا الله حق معرفته.
ولدي: الموضوع أكبر مما نتصوره، هناك من أفنى نفسه في الحق تعالى ولم ير سواه؛ صدرت هذه الأدعية الكريمة في حال الصحو قبل المحو أو بعد المحو والفناء في ذاته المقدسة، ولاتمتد أيدينا الى غير أولياء الله الخلّص.
إذن أعرض عن حديث لست أهلا له وأتناول ما من شأنه أن يوصلك يا ولدي الى شاطيء الأمان بفضل الله تعالى وعون أوليائه الكرام (ع) فتلك ( (فطرة الله التي فطر الناس عليها)) [١]؛ إنّ الاهتمام بهذه الفطرة سواء في العلوم والفضائل أم في المعارف وأمثالها أم في الشهوات والأهواء النفسية، وسواء الاهتمام بجميع الأشياء من قبيل أوثان المعابد أو المحبوب الدنيوي والأخروي والظاهري والخيالي والمعنوي والصوري نظير حب المرأة والولد والعشيرة والزعامة الدنيوية كالملوك والأمراء والقادة والأخروية كالعلماء والعرفاء والأولياء والأنبياء (ع)، كل ذلك عين الاهتمام بالواحد الكامل المطلق؛ فلا ينبغي أن تحصل حركة إلا لبلوغ الحق تعالى، ولا تخطى خطوة إلا نحو ذلك الكمال المطلق، ونحن الآن في حجب وظلمات بعضها فوق بعض، وكل الآلام والعناء والعذاب ناشيء من هذا الاحتجاب، وأول قدم لرفع هذه الحجب أن نعتقد بأنّنا
[١] (١) سورة الروم، الآية ٣٠.