صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٤٢٦ - خطاب
يبدأ القرآن بفاتحة الكتاب، ومنذ اللحظة الأولى حيث يختص الحمد به تعالى، يدرك الإنسان بأنه عاجز عن الفهم. إذ أن كل المحامد له. فلا أحد يليق به الحمد ولا أحد يُحْمَد غيره. حتى أن البعض يتصور أن (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) [١] هو قضاء تكويني، قضاء الله بأن لا يعبد غيره. يتصورون بأنهم يسجدون للوثن، يمدحون الإنسان، يمدحون الشمس. ولكن المدح منه كلّه. وان الجميع يمدحونه وهم لايفقهون. كما أن معاناة الإنسان في العالم الآخر هي بسبب عدم الفهم هذا. ولهذا ثمة حجاب بين الإنسان والحقائق. فلو تمعن الإنسان قليلًا حتى في هذا العالم المادي، في هذا الموجود في عالم المادة، وفي حدود ما تصل إليه يد الإنسان، سوف يدرك مدى قدراته على الفهم والاستيعاب، فكيف الأمر إذن بالنسبة إلى ذلك الذي لم تصل إليه يد الإنسان.
انظروا إلى لغة القرآن: (زيّنا السماء الدنيا بزينة الكواكب) [٢] فانها على العكس من هيئة بطليموس [٣] .. السماء الدنيا تعني هذه الكواكب التي ترونها. كل هذه السماء الدنيا وبالقدر الظاهر منها تعتبر زينة. وفوقها ملايين الشموس وفوقها مليارات الأجرام السماوية، وما وراء ذلك ما لا يعلم به غير الله. إن هذا العالم المادي الذي وصلت إليه يد الإنسان حتى الآن، ليس في ذروته ولا في حضيضه. فالإنسان بما لديه من أجهزة دقيقة يستطيع رؤية الذرات المتناهية في الصغر ولكنه غير قادر على فهم ما دون ذلك ... إن ضعف الإنسان يتجلى في انانيته وعبادته للمنصب والمقام. فكم الإنسان ضعيف كي تستحوذ عليه أنانيته في هذه الدنيا. وكم الإنسان جاهل حتى ينظر إلى كل هذه الأمور ويعتبرها منصباً وجاهاً.
ولكننا عندما ننظر إلى أصحاب المقامات الروحية والمعنوية، عندما ننظر إلى ادعيتهم نراهم أكثر عجزاً منّا لأنهم أدركوا حقيقة الأمر. فأنتم عندما تقرأون دعاء كميل، عندما تقرأون المناجاة الشعبانية والأدعية الأخرى الواردة عن المعصومين- عليهم السلام- ترون أن لغة هؤلاء غير لغتنا العامة نحن الذين إذا ما علمنا مسألة فقهية تصورنا أننا أصبحنا شيئاً. ولو تسلمنا مقاليد الأمور في بلد تصورنا بأن ذلك أمر مهم. ولو حصلنا على مقام معنوي تصورنا أننا حققنا كل شيء. ولكن عندما ينظر الإنسان إلى أقوال أولئك الذين وصلوا إلى هذه المقامات التي يعجز عن الوصول إليها الآخرون، يجدها لا تكف عن تصوير عجزهم من أولها إلى آخرها، ويجب أن تكون كذلك لأنهم لم يصلوا ولن يصلوا أبداً. ولكننا ملزمون بأن ندعو، أمرنا بأن ندعو وان نحمد وان نسبّح، أمرنا بالصلاة.
[١] () سورة الأسراء، الآية ٢٣.
[٢] () سورة الصافات، الآية ٦.
[٣] أحد كبار علماء القرن الثاني قبل الميلاد وقد ولد في الاسكندرية. وكان يعتقد بأن الأرض ثابتة والكواكب تدور من حولها. وتعرف هذه النظرية باسمه.