صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٣٥٣ - خطاب
إن كيفية الوحي هي من الأمور التي ليس بوسع أحد أن يفهمها غير رسول الله ومن كانوا معه في خلوته، أو الذين استلهموا منه كيفية نزول الوحي. ولهذا فكلما أرادوا أن يعرفوا ذلك قاموا بتعريفه على قدر فهمنا نحن العوام. مثلما يعرّف الله تبارك وتعالى نفسه للناس على قدر فهمهم من خلال ذكره للابل [١] والسماء والأرض والخلق إلى غير ذلك. وكل هذا لأن البيان قاصر عن أداء الموضوع حقه، وقد تطرق القرآن إلى ذلك بالقدر الذي بوسع البيان أداؤه. ولم يفعل ذلك أي كتاب آخر، ومن قام بذلك فانما فعل ذلك أسوة بالقرآن.
القرآن باب المعرفة الإلهية
لو لم يكن القرآن لكانت باب معرفة الله مغلقة إلى الأبد. وما حققته الفلسفة اليونانية يعتبر مهماً في مجاله لأنها تبرهن على وجود الله تبارك وتعالى بالاستدلال لا المعرفة، والمعرفة غير اثبات الوجود. وقد سعى القرآن للبرهنة عبر الطرق المتعارف عليها.
ويتجلى البعد الآخر في عرفان القرآن، وان هذا القدر الموجود في القرآن لا تجدونه في أي كتاب آخر، وان التعابير الواردة في القرآن تختلف تماماً عن تلك المتداولة في كتب العرفان الإسلامي رغم النقلة النوعية التي ارتقت إليها بالنسبة إلى ما كان متداولًا في العرفان قبل الإسلام. وكل هذا من بركات البعثة. علماً أن القدر المتجلي في المعنويات لم يتجسد في الماديات. ذلك أن اتصال المعنوي بالمادي وانعكاس المعنوي في مختلف الأبعاد المادية، انما هو من خصوصيات القرآن ومن افاضاته. فالقرآن وفي ذات الوقت الذي هو كتاب معنوي عرفاني، فإنه أيضاً كتاب لتهذيب الأخلاق ويبرهن على موضوعاته بالاستدلال ويوصي بالوحدة وبالقتال، وكل ذلك من خصائص كتابنا السماوي الذي يفتح باب المعرفة بما يتناسب مع فهم الإنسان واستيعابه. ومن المؤمل أن نأخذ بنظر الاعتبار مختلف أبعاده، نحن اتباع الإسلام والقرآن، ونجاهد لتحقيق أهدافه وتطلعاته.
مقارعة الظلم وإنقاذ الإنسان هما الدافع لبعثة الرسول
فإذا ما تمسكنا بهذا البعد الظاهري للقرآن، الذي يتطلع إلى إدارة شؤون الإنسان وإنقاذه من الظلم الذي يتعرض له، لأن أحد أهداف القرآن القضاء على الظلم وتحقيق العدالة الاجتماعية للبشرية جمعاء، إذا ما سعى المسلمون إلى نشر هذا البعد القرآني الذي يهدف إلى تطبيق العدالة الإسلامية في العالم، حينها سيتحقق عالم تسوده الصورة الظاهرية للقرآن. وان الشعب الإيراني الذي قام ونهض وقطع دابر الظالم، ينبغي أن يتطلع إلى تحقيق العدالة، وان يعمل بكل ما في
[١] () سورة الغاشية، الآية ١٧.