صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٣٥٢ - خطاب
صلى الله عليه وآله وسلم- وقبل أن يتن- زل القرآن من مقام الغيب ويتجلى بمظهره النزولي على قلب رسول الله. فبعد ان اتصل المقام النبوي المقدس للولي الأعظم بمبدأ الفيض- بالمقدار الذي كان قابلًا للاتصال- اكتسب القرآن مرتبة النازل المنزّل وتجلى في قلبه المبارك، ومع نزوله إلى المراتب السبع جرى على لسانه المبارك. وان القرآن الموجود في أيدينا هو النازلة السابعة للقرآن وهو من بركات البعثة. وان هذه النازلة السابعة نفسها أوجدت من التحول في العرفان الإسلامي والعالمي مما جعل أهل المعرفة ينالون شمة منه، ومن غير المعلوم إن كانت ستتضح للإنسان أبعاد القرآن كلّها. فالآيات التي نراها في القرآن الكريم، والتي هي من بركات البعثة أيضاً، وفي الوقت الذي يتصور الإنسان بأنه أدرك فحواها، لم يتم اكتشافها حتى الآن: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن .. وهو معكم) [١]. (الله نور السموات والأرض) [٢]. فهذه آيات ليس بوسع المفسر أن يفهمها ولا الفيلسوف أو العارف. وكل من يدعي أنه أدرك معناها فهو غارق في الجهل .. انما يعرف القرآن من خوطب به [٣]. فعن هذا الطريق (من خوطب به) سُلّم إلى عدة معدودة من أولياء الله والأئمة المعصومين- عليهم السلام-، ومن خلال ذلك تم تفسيره بنحو يكون بوسع الإنسان أن يفهمه.
ومن لطائف الوحي أن هذه الآية الشريفة (الله نور السموات والأرض)، عندما تناولها المفسر قال: ان الله نور السماوات والأرض، وهو ما لا علاقة له بالتفسير .. ان أياً من هؤلاء المفسرين ورغم العناء الكبير الذي تحملوه، لم يستطع أن يخوض في لطائف القرآن، ليس لأنهم قصّروا في ذلك وإنما لأن عظمة القرآن أكبر من هذه المسائل.
إن قضية معرفة الله الواردة في القرآن والتي وردت في الحديث (ما عرفناك حق معرفتك)، [٤] تعني باننا لم نتعرف عليك كما ينبغي، وليس" ما عرفناك حق معرفتي إياك". فهو قد عرف المقدار الذي قدّر للإنسان معرفته غير أن حظ الإنسان من المعرفة غير الذي هو حق معرفة الله. إن حق معرفة الله وحق عبادة الله لم يتحققا، حتى بناء على هذا الحديث حيث يقول الرسول الأكرم الذي هو أعظم عارف واعظم عابد: ما عرفناك وعبدناك. فلم يقل ما عرفناك حق معرفتي إياك، وما عبدناك حق عبادتي إياك. لأنه- صلى الله عليه وآله- أدى ذلك. ولكن الحظ الإنساني والتجلي الظاهري محدودان بهذا، وان معرفة الله أمر غير متيسر لا للملك المقرب ولا للنبي المرسل. وهذا من بركات البعثة. وان قدر المعرفة المتحقق لأهل المعرفة هو من نازلة كتاب الله على قلب رسول الله، وهذا أيضاً من الأسرار العظيمة.
[١] () سورة الحديد، الآيتان ٣ و ٤.
[٢] () سورة النور، الآية ٣٥.
[٣] () بحار الأنوار، ج ٢٤، ص ٢٣٨ ٢٣٧، ح ٦.
[٤] () بحار الأنوار، ج ٦٨، ص ٢٣٧- ٢٣٨، ح ٦.