صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٣٠٤ - خطاب
إننا عندما نتأمل أحياناً في المستويات التي بلغها فقهنا وفلسفتنا على صعيد مذهبنا، نجد أن الرجال الذين أثروا هذا الفقه وهذه الفلسفة، لم يكونوا من سكنة القصور وإنما كانوا من سكنة الأكواخ. فالشيخ الطوسي [١] الذي كان شعلة من الابداع ومن أكثر الرجال قيمة في المجتمع الشيعي، لم يكن من سكنة القصور، فلو كان يقيم في القصور لما استطاع أن يثري المجتمع بكل هذه المؤلفات وهؤلاء التلاميذ. فليس بوسع الشريحة المرفهة أن تحقق مثل هذا العمل.
وعندما ننظر إلى المتأخرين من ا لعلماء نجد (صاحب الجواهر) [٢] الذي صنف مثل هذا الكتاب الذي يعجز عن تصنيفه مائة شخص، لم يكن من سكنة القصور. وحسبما يحكى فإن النجف في تلك الأيام التي ألّف فيها هذا الكتاب لم تكن تعرف (السرداب). وان أول من أدخل ظاهرة السرداب إلى النجف هو الشيخ الأنصاري [٣]، هدية جاء بها من ايران إلى النجف. وإنما كان لديه من- زل متواضع، وكانت باب حجرته مفتوحاً على دهليز- حسبما يذكر-، وفي طقس النجف الحار كان يهب نسيم حار وهو منهمك في تصنيف (الجواهر). فمثل هذه الأعمال لا تتحقق على يد شخص لا يفكر بغير البطن والشهوة والمال والمنال والجاه. طبعاً ليس بوسعه ذلك. ولعلّ الكثير سمع عن حياة الشيخ الأنصاري، وما كان عليه من الزهد. فلولم يكن في ذلك الوضع لما كان بمقدوره تربية تلامذة عظام ولما تمكن من اثراء المجتمع بتلك المؤلفات القيمة.
أخلاق سكنة القصور تتنافى مع ثقافة الاسلام
لابدّ لنا من السعي لتخليص الشعب من أخلاق سكنة القصور. إذا أردتم الخلود لشعبكم، وإذا كنتم تتطلعون لسيادة الاسلام في مجتمعنا كما أمر الله تبارك وتعالى، فلابدّ من العمل على اقناع الشعب بنبذ الأخلاق الخاصة بسكنة القصور.
ان أبناء هذا الشعب من سكنة الأكواخ هم الذين يمارسون اليوم نشاطهم بكل جد ومثابرة ويضحون في جبهات القتال وخلف الجبهات. ويجب أن تحافظوا على هذه الأخلاق كي يتسنى لكم مواصلة الحياة الاسلامية السليمة. القصور بحد ذاتها لا ضير فيها وإنما أخلاق
[١] محمد بن الحسن الطوسي، من كبار فقهاء الشيعة والذي اشتهر بشيخ الطائفة. توفى في أواسط القرن الخامس الهجري في مدينة النجف الأشرف بالعراق.
[٢] محمد حسن النجفي، من كبار فقهاء الشيعة، ألّف في القرن الثالث عشر الهجري موسوعته الفقهية الشهيرة «جواهر الكلام». توفى في النجف سنة ١٢٦٧ للهجرة.
[٣] مرتضى الأنصاري، المعروف بالشيخ الأعظم، من كبار فقهاء الشيعة وأن مؤلفاته الفقهية والأصولية لازالت تدرس حتى يومنا هذا في الحوزات العلمية. توفى في النجف سنة ١٢٨٢ للهجرة.