صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٣٠٣ - خطاب
للسير في هذا الطريق، وقد خطا حتى الآن خطوات مهمة في هذا المجال، غير أن الطريق طويلة، طريق القيم المعنوية من الطرق التي ينبغي للانسان مواصلة السعي فيها طوال حياته. ربما يتصور كثيرون ان الرخاء المادي وامتلاك الثروة يوفران السعادة للانسان، ولكنهم مخطئون.
الأكواخ مصدر البركة لا القصور
يتصور الانسان ان السعادة تتمثل في امتلاك عدد من الضياع والأراضي والأرصدة في البنوك وفي التجارة. ربما يتصور الانسان ذلك. لكننا عندما نتأمل في واقع الحياة نرى ان السعداء هم أولئك الذين عاشوا في الأكواخ. أما هؤلاء الذين يقبعون في القصور فانهم يفتقرون إلى السعادة. ان البركات التي انطلقت من الأكواخ لا تعرفها القصور أبداً. فقد كان لدينا كوخ في صدر الاسلام يضم أربعة أو خمسة أشخاص. إنه كوخ فاطمة الزهراء- سلام الله عليها-. وكان هذا الكوخ أكثر تواضعاً من غيره. ولكن ماهي بركاته؟ لقد ملأت بركاته بنورها العالم بأسره. إن سكنة هذا الكوخ المتواضع كانوا على درجة من المعنويات لا ترقى إليها حتى يد الملكوتيين. وفي الجانب التربوي، عمت بركاتهم بلاد المسلمين بأسرها لا سيما بلدنا .. ان الرسول الأكرم نفسه- صلى الله عليه وآله وسلم- الذي هو خير الأنام، كانت معيشته معيشة سكنة الأكواخ. كل ما كان لديه هو حجرات متواضعة، وإن هذا الرجل ذا المقام السامي انطلق نوره من هذه الحجرة المتواضعة ليسمو إلى الملك والملكوت، ووسعت تربيته العالم بأسره. رغم أنه لم يحقق ما كان يطمح إليه وستنال البشرية ذلك على يد خلفه الصالح [١] إن شاء الله حيث ستتحقق على يديه المباركتين التربية السامية بمشيئته تعالى. وإذا ما تجاوزنا هذه المعنويات، فإنكم إذا ما تأملتم في كل هذه الانجازات الفكرية والعلمية من ابداعات واختراعات واكتشافات، فلا أعتقد إنكم ستجدون من بين سكنة القصور من نجح في تحقيق ذلك.
سكنة الأكواخ هم الذين حققوا كل هذا التقدم والتطور، وطبعاً نعني بسكنة القصور المهتمين بالفسق والفجور والمنصاعين للدنيا والمنشغلين بالمال والمنصب والمقام. إذ أن شهوة البطن لن تسمح لهذه الطبقة لأن تخوض في موضوع فكري واحد والتأمل فيه. فأصحاب الاختراعات والمؤلفات القيمة ممن أثروا المجتمع بابداعاتهم ونتاجاتهم، كانوا من سكنة الأكواخ. ولا يخفى ان أجواء القصور تتعارض مع التربية الصحيحة ومع الجد والمثابرة والابداع. وإذا ما بحثتم عن الناجحين منهم فستجدونهم قليلين جداً، لأن معظم المبدعين والعباقرة هم من سكنة الأكواخ.
[١] الامام المهدي الموعود الحجة بن الحسن (ع).