صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٤١ - رسالة
ومعلوم عند اصحاب القلوب والعرفان وأرباب الشهود والعيان من ذوي السابقة الحسنى، أنّ حصول المنزلة والوصول بهذه المرتبة لا يمكن إلّا بالرياضات العقلية بعد طهارة النفس وتزكيتها، وصرف الهمّ ووقف الهمّة على المعارف الالهية عقيب تطهير الباطن وتخليتها. فاخرجي أيتها النفس الخالدة على الارض لاتباع الهوى من بيت الطبيعة المظلمة الموحشة، وهاجري الى الله- تعالى- مقام جمع الأحدي، والى رسوله صاحب قلب الأحدي الأحمدى حتى يدركك الموت الذي هو اضمحلال التعينات، فوقع أجرك على الله، وتأسى بأبيك الروحاني في السير الى ربه وقل: (وجهتُ وجهي للذي فطر السموات والأرض ...) وهذا هو الفوز العظيم والجنة الذاتية اللقائية التي لاعين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ولا تقنعي ايتها النفس بحصول الملاذ الحيوانية والشهوانية، ولا بالرئاسات الدنيوية الظاهرية، ولا بصورة النُّسك وقشرها، ولا با عتدال الخُلق وجُودتها، ولا بالفلسفة الرسمية والشبهات الكلامية، ولا بتنسيق كلمات ارباب التصوف والعرفان الرسمي وتنظيمها، وإرعاد أهل الخرقة وإبراقهم، فان صرف الهم الى كلّ ذلك والوقوف عليها اخترام وهلاك، والعلم هوالحجاب الأكبر. بل يكون همّك التوجه الى الله- تعالى- بارئك ومبدئك ومعيدك في كل الحركات والسكنات والافكار والأنظار والمناسك.
وهذه وصيتي الى النفس القاسية المظلمة، والى صاحبي وسيدي ذي الفكر الثاقب في العلوم الإلهية، والنظر الدقيق في المعارف الربانية، العالم الفاضل المولى الأمجد السيد ابراهيم الخوئي المعروف بمقبرئي- دام مجده وبلّغه الله تعالى غاية آمال العارفين ومنتهى سلوك السالكين- فإني قد ألقيت في روعه امهات ما عندي من اصول الفلسفة المتعالية وشطراً وافراً مما تلقيت عن المشايخ العظام وصحف أرباب المعارف؛ فقد بلغ- بحمد الله- فوق المراد وتردّى برداء الصلاح والسداد وعلى الله التكلان في المبدأ والمعاد.
ولقد كررتُ وصيتي بما وصّانا المشايخ العظام أن يضن بأسرار المعارف إلّا على اهله، ولا يتفوّه بحقائق العوارف في غير محله، فإنّ الله جلّ اسمه قال: (نُ- نَزِّلُ من القرآن ما هوشفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيدُ الظالمين إلّا خساراً). والتماسي منه- دام عزّه- أن يذكرني عند ربّه ذكراً جميلًا، ولا ينساني عن الدعاء في كل الأحوال، فإن بابه مفتوح للراغبين. (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) واحشرنا مع الأبرار، وجنّبنا عن مخالطة السيئة الأشرار بحق محمدٍ وآله الاطهار- عليهم السلام.
قد وقع الفراغ في السادس والعشرين من شهر ذي الحجة الحرام (١٣٥٧) وأنا العبد الضعيف السيد روح الله بن السيد مصطفى الخميني الكَمَرئي.