صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٣٧ - رسالة
الفطرة هي فطرة توحيد الله في المقامات الثلاثة، بل رفض التعّينات وإرجاع الكُلّ إليه وإسقاط الإضافات حتى الأسمائية وإفناء الجُلّ لديه. ومَنْ لم يصل الى هذا المقام، فهوخارج عن فطرة الله وخائن في أمانة الله، وجاهل بمقام الانسانية والربوبية، وظالم لنفسه والحضرة الالهية.
ومعلوم عند اصحاب القلوب من اهل السابقة الحُسنى، أنّ حصول هذه المنزلة الرفيعة والدرجة العَلية، لايمكن إلّا بالرياضات الروحية والعقلية والخواطر القُدسية القلبية بعد طهارة النفس عن ارجاس عالم الطبيعة وتزكيتها، فانّ هذا مقام (لا يمسه إلّا المطهرون).
وصرف الَهمّ الى المعارف الالهية، وقَصْر الطرْف على الآيات والأسماء الربوبية عقيب صيرورته إنساناً شرعيّاً بعد ما كان إنساناً بشرياً بل طبيعياً. فاخرجي ايتها النفس الخالدة الى الارض لاتباع هواك من بين الطبيعة المظلمة المدهشة الهيولانية، وهاجري الى الله مقام الجمع، والى رسوله مظهر أحدية الجمع، حتى يدركك الموت بتأييد الله تعالى فوقع أجرك عليه، وهذا هوالفوز العظيم والجنة الذاتية اللقائية التي لاعين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
واعلمي أنك ظهرت من مقام جامعية الأسماء والبرزخية الكبرى، وانت غريب في هذه الدّار ولابد لك من الرجوع الى الوطن، فاحْببي وطنك فإنه من الايمان- كما أخبر به سيد الإنس والجان.
إيّاك ثم إيّاك- والله تعالى معينك في اولاك وأُخراك- أن تصرف همّك الى حصول الملاذّ الحيوانية الشهوية، فإنّ هذا شأن البهائم، أو الغلبة على أقرانك واشباهك حتى في العلوم والمعارف، فإن هذا شأن السباع، اوالرياسات الدنيوية الظاهرية وصرف الفكر والتدبير اليها فإنّ هذا مقام الشياطين، بل ولا تجعل نصب عينك صورة النسك وقشورها، ولا اعتدال الخُلق وجُودتها، ولا الفلسفة الكلية والمفاهيم المبهمة، ولا تنسيق كلمات أرباب التصّوف والعرفان القشرية وتنظيمها، وإرعاد اهل الخرقة وإبراقها، فانّ كل ذلك حجاب في حجاب وظلمات بعضها فوق بعض، وصرف الهّم إليها اخترام وهلاك، وذلك خسران مبين وحرمان ابدي وظلمات لا نهاية لها، بل يكون همّك التوجه الى الله تعالى والى ملكوته في كل حركاتك وسكناتك وانظارك وأفكارك، فإنك مسافر الى الله- تعالى- ولايمكن لك هذه المسافرة بقدم النفس، بل لابّد وأن يكون بقدم الله ورسوله، فإن المهاجرة من بيت النفس لايمكن بقدمها. فكلّما كان قدمك قدم النفس، ما خرجت بعدُ من بيتك، فلست مسافراً، وقد عرفت أنك غريب مسافر.
وهذه وصيّتي الى نفسي القاسية المظلمة البط- الة والى صاحبي الموف- ق ذي الفكر الثاقب في العلوم الظاهرة والباطنة والنظر الدقيق في المعارف الالهية، العالم الفاضل النقّاد والروحاني الآغا ميرزا جواد الهمداني- بل- غه الله غاية الأماني- فإني ولعَمر الحبيب مع أنّه لستُ من اهل العلم وطلابه قد ألقيت اليه ما عندي من مهمّات أصول الفلسفة الالهية المتعالية، وشطراً مما استفدت من المشايخ العظام- ادام الله ظلّهم- وكتب ارباب المعرفة واصحاب القلوب- رضوان الله عليهم- وقد بلغ بحمد الله- تعالى- مرتبة العلم والعرفان وسلك مسلك العقل والايمان، وهوسلّمه الله لطيف السرّ والقريحة، نقيّ القلب، سليم الفطرة، جَيّد الرؤية، متردٍّ برداء العلم والسداد وعلى الله التوكل في المبدأ والمعاد.
ولقد أوصيته بما وصّانا اساطين الحكمة والمشايخ العظام من ارباب المعرفة، أن يضنّ بأسرار المعارف كلّ الضنّ على غير اهله من ذوي الجحد والاعتساف، والضالّين عن طريق الحقّ والانصاف،