صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٢٥٠ - رسالة
من هذا المنصب استناداً إلى ما نص عليه:" لا يصيب أمرنا ... الخ"- كما هو الظاهر المظنون في بعض روايات أبي الجهد- يوضح أنه يمثل في نهاية المطاف إحدى صور الود التي تحدثت بها الآية الكريمة:" الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا [١]". إن أمثال هذه المقولات التي لم تكتف بظواهر الأعمال، واعتمدت المحبة والود والإخلاص والقداسة، وباختصار اعتمدت الروح ميزاناً هي التي منحتني الجرأة لكشف الغطاء وبيان مكنوناتي القلبية؟ أجل، منذ سنوات عديدة زرع بستانيُّ القلوب بذرة طاهرة طيبة في قلبي، وسخر لنموها كل عوامل الحياة، ووفر احتياجاتها من منابعي الخاصة، فغمرها بأشعة حياتية ربانية من مشكاة مضيئة باهرة، وسقاها ماءً عذباً زلالًا من نبع القدس، وأودع فيها شوقاً كاملًا وحماسة عظيمة. وهيأ لها موضوعات علمية دقيقة وعميقة وأصولًا عريقة لينهل منها العقل من خلال جلسات درسه. وأحيى فيه بارقة أمل ممتعة بالمستقبل، وبرغم عجالة الإنسان الطبيعية، جعل تلك البذرة تنمو تدريجياً بتدبير رصين وتأنٍ تام. وحينما انطلقت الموهبة بوتيرة متسارعة، وحدث ما حدث الذي قاد إلى الانفصال. وبوحي من هذا الانفصال نمت البذرة وتكاملت بمرور الأيام. وخلال مدة قصيرة، وبسرعة مدهشة، أضحت نبتة قوية تمتد جذورها الراسخة في أعماق القلب. ومما يؤسف عليه أن رياح الهجران المحرقة لم تمهل النبتة لتعطي ثمارها، وذبلت أوراقها الطرية مما أدى إلى إخماد لهيب البهجة في عيني وذبول نبتة الأمل في قلبي .. ولكن من يدري ربما هذه الحرقة والذوبان هي الأخرى من تدابيره الحكيمة كي ينمو ويتكامل التلميذ .. فيا أيها الفراق الملتهب قليلًا من التأني، ويا لهيب الغربة قليلًا من الهدوء، فهذا القلب الحزين لا يطيق كل هذا العذاب .. يا إلهي، يا من منك القلب، ومنك الود، ومنك الوجود؛ أغمر قلوبنا بمحبتك ومحبة أوليائك. يا إلهي، مُنَّ علينا بقدم تقودنا إلى جوارك، وأرنا الطريق لنصل إليك .. الآن وحيث ينتهي البوح بمكنونات القلب، ويسكن لهيب القلب، ينبهني العقل ثانية بأن هذا الأسلوب في الحديث لا يليق. أجل، فأنا كنت هكذا دائماً وكان الحياء يحول دون كل شيء، حتى علاقاتي القليلة، وعندها كانت تتراكم الهواجس وتبرز مرة واحدة في شقشقة، أو حديث يفتقر إلى الطرافة، أو تجعل مني امرءاً متقلّب المزاج. ولكن يرتسم للعقل ثانية المصطلح المعنون في كتاب القضاء: لابد لمن يجد في نفسه أهلية القضاء أن يعرف نفسه للحاكم، والعقل والاستحسان يحتّمان على المريد الحقيقي والتابع الكامل أن يعرف نفسه في مقام الامتثال والتأهّب لتنفيذ أوامر مولاه. ولكن كل ذلك ليس أكثر من ذريعة، إنّي التمس من الأب الروحي الإجابة- قدر الإمكان- عن المسائل المرفقة طياً وهي ضرورية.
الثالث من رمضان سنة ١٣٨٣ ه-. ق
قم: مدرسة خان، محمد علي كرامي القمي).
[١] سورة مريم، الآية ٩٦.