روضة الواعظين و بصيرة المتعظين( ط- القديمة) - الفتّال النيشابوري، ابو علي - الصفحة ٤٣٥
وَ اجْتَمَعَ الْأَحْبَارُ وَ الرُّهْبَانُ فَأَخْبَرُوهُ بِذَهَابِ لَحْمِ خَدَّيْهِ فَقَالَ مَا شَعُرْتُ بِذَلِكَ فَقَالَ زَكَرِيَّا يَا بُنَيَّ مَا يَدْعُوكَ إِلَى هَذَا إِنَّمَا سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَهَبَكَ لِي لِتَقَرَّ بِكَ عَيْنِي قَالَ أَنْتَ أَمَرْتَنِي بِذَلِكَ يَا أَبَتِ قَالَ وَ مَتَى ذَلِكَ يَا بُنَيَّ قَالَ أَ لَسْتَ الْقَائِلَ إِنَّ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ لَعَقَبَةً لَا يَجُوزُهَا إِلَّا الْبَكَّاءُونَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ بَلَى قَالَ فَجِدَّ وَ اجْتَهِدْ فَشَأْنُكَ غَيْرُ شَأْنِي فَقَامَ يَحْيَى فَنَفَضَ مِدْرَعَتَهُ فَأَخَذَتْهُ أُمُّهُ فَقَالَتْ أَ تَأْذَنُ لِي يَا بُنَيَّ أَنْ أَتَّخِذَ لَكَ قِطْعَتَيْ لُبُودٍ تُوَارِيَانِ أَضْرَاسَكَ وَ يُنَشِّفَانِ دُمُوعَكَ فَقَالَ لَهَا شَأْنَكِ فَاتَّخَذَتْ لَهُ قِطْعَتَيْ لُبُودٍ تُوَارِيَانِ أَضْرَاسَهُ وَ يُنَشِّفَانِ دُمُوعَهُ حَتَّى ابْتَلَّتْ مِنْ دُمُوعِ عَيْنَيْهِ فَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ أَخَذَهُمَا فَعَصَرَهُمَا فَتَحَدَّرَ الدُّمُوعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ فَنَظَرَ زَكَرِيَّا إِلَى ابْنِهِ وَ إِلَى دُمُوعِ عَيْنَيْهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا ابْنِي وَ هَذِهِ دُمُوعُ عَيْنَيْهِ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَ كَانَ زَكَرِيَّا ع إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعِظَ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَلْتَفِتُ يَمِيناً وَ شِمَالًا فَإِذَا رَأَى يَحْيَى لَمْ يَذْكُرْ جَنَّةً وَ لَا نَاراً فَجَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ يَعِظُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ أَقْبَلَ يَحْيَى قَدْ لَفَّ رَأْسَهُ بِعَبَاءٍ فَجَلَسَ فِي غُمَارِ النَّاسِ وَ الْتَفَتَ زَكَرِيَّا يَمِيناً وَ شِمَالًا فَلَمْ يَرَ يَحْيَى فَأَنْشَأَ يَقُولُ حَدَّثَنِي حَبِيبِي جَبْرَئِيلُ ع عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِنَّ فِي جَهَنَّمَ جَبَلًا يُقَالُ لَهُ السَّكْرَانُ فِي أَصْلِ ذَلِكَ الْجَبَلِ وَادٍ يُقَالُ لَهُ الْغَضْبَانُ يَغْضَبُ لِغَضَبِ الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْوَادِي جُبُّ قَامَتُهُ مِائَةُ عَامٍ فِي ذَلِكَ الْجُبِّ تَوَابِيتُ مِنْ نَارٍ فِي تِلْكَ التَّوَابِيْتِ صَنَادِيقُ مِنْ نَارٍ وَ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ وَ سَلَاسِلُ مِنْ نَارٍ وَ أَغْلَالٌ مِنْ نَارٍ فَرَفَعَ يَحْيَى رَأْسَهُ فَقَالَ وَا غَفْلَتَاهُ مِنَ السَّكْرَانِ ثُمَّ أَقْبَلَ هَائِماً عَلَى وَجْهِهِ وَ قَامَ زَكَرِيَّا ع مِنْ مَجْلِسِهِ فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ يَحْيَى فَقَالَ لَهَا قُومِي يَا أُمَّ يَحْيَى فَاطْلُبِي يَحْيَى فَإِنِّي قَدْ تَخَوَّفْتُ أَنْ لَا تَرَاهُ إِلَّا وَ قَدْ ذَاقَ الْمَوْتَ فَقَامَتْ فَخَرَجَتْ فِي طَلَبِهِ حَتَّى مَرَّتْ بِفِتْيَانٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالُوا لَهَا يَا أُمَّ يَحْيَى أَيْنَ تُرِيدِينَ قَالَتْ أُرِيدُ أَنْ أَطْلُبَ وَلَدِي يَحْيَى ذُكِرَتِ النَّارُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَهَامَ عَلَى وَجْهِهِ فَمَضَتْ أُمُّ يَحْيَى وَ الْفِتْيَةُ مَعَهَا حَتَّى مَرُّوا بِرَاعِي غَنَمٍ فَقَالَتْ لَهُ يَا رَاعِي هَلْ رَأَيْتَ شَابّاً مِنْ صِفَتِهِ كَذَا وَ كَذَا فَقَالَ لَهَا لَعَلَّكِ تَطْلُبِينَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا قَالَتْ نَعَمْ ذَاكَ وَلَدِي ذُكِرَتِ النَّارُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَهَامَ عَلَى وَجْهِهِ قَالَ إِنِّي تَرَكْتُهُ السَّاعَةَ عَلَى عَقِبِي ثَانِيَةً كَذَا وَ كَذَا نَاقِعاً قَدَمَيْهِ فِي الْمَاءِ رَافِعاً بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَقُولُ وَ عِزَّتِكَ يَا مَوْلَايَ لَا ذُقْتُ بَارِدَ الشَّرَابِ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَى مَنْزِلَتِي مِنْكَ فَأَقْبَلَتْ أُمُّهُ فَلَمَّا رَأَتْهُ دَنَتْ مِنْهُ وَ أَخَذَتْ بِرَأْسِهِ فَوَضَعَتْهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهَا وَ هِيَ تُنَاشِدُهُ بِاللَّهِ أَنْ يَنْطَلِقَ مَعَهَا إِلَى الْمَنْزِلِ فَانْطَلَقَ مَعَهَا إِلَى الْمَنْزِلِ فَقَالَتْ أُمُّ يَحْيَى هَلْ لَكَ أَنْ تَخْلَعَ مِدْرَعَةَ الشَّعْرِ وَ تَلْبَسَ مِدْرَعَةَ الصُّوفِ