روضة الواعظين و بصيرة المتعظين( ط- القديمة) - الفتّال النيشابوري، ابو علي - الصفحة ٤٣٤
يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ فَلَا يَبِيتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَ أَجَلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَ مَا حَوَى وَ الْبَطْنَ وَ مَا وَعَى وَ لْيَذْكُرِ الْقَبْرَ وَ الْبِلَى وَ مَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ فَلْيَتْرُكْ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
: قِيلَ لِلصَّادِقِ ع مَا الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا قَالَ قَدْ حَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ.
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع الزُّهْدُ ثَرْوَةٌ وَ الْوَرَعُ جُنَّةٌ وَ أَفْضَلُ الزُّهْدِ إِخْفَاءُ الزُّهْدِ الزُّهْدُ يُخْلِقُ الْأَبْدَانَ وَ يُحَدِّدُ الْآمَالَ وَ يُقَرِّبُ الْمَنِيَّةَ وَ يُبَاعِدُ الْأُمْنِيَّةَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ نَصَبَ وَ مَنْ فَاتَهُ تَعِبَ وَ لَا كَرَمَ كَالتَّقْوَى وَ لَا تِجَارَةَ كَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَ لَا وَرَعَ كَالْوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبْهَةِ وَ لَا زُهْدَ كَالزُّهْدِ فِي الْحَرَامِ الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ قَالَ اللَّهُ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ فَمَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى الْمَاضِي وَ مَنْ لَمْ يَفْرَحْ بِالْآتِي فَقَدْ أَخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ أَيُّهَا النَّاسُ الزَّهَادَةُ قَصْرُ الْأَمَلِ وَ الشُّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ وَ الْوَرَعُ عِنْدَ الْمَحَارِمِ فَإِنْ عَزَبَ ذَلِكَ عَنْكُمْ فَلَا يَغْلِبِ الْحَرَامُ صَبْرَكُمْ وَ لَا تَنْسَوْا عِنْدَ النِّعَمِ شُكْرَكُمْ فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ بِحُجَجٍ مُسْفِرَةٍ ظَاهِرَةٍ وَ كُتُبٍ بَارِزَةِ الْعُذْرِ وَاضِحَةٍ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص كَانَ مِنْ زُهْدِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا ع أَنَّهُ أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَنَظَرَ إِلَى الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الْأَحْبَارِ وَ الرُّهْبَانِ عَلَيْهِمْ مَدَارِعُ الشَّعْرِ وَ بَرَانِسُ الصُّوفِ وَ إِذَا هُمْ قَدْ خَرَقُوا تَرَاقِيَهُمْ وَ سَلَكُوا فِيهَا السَّلَاسِلَ وَ شَدُّوهَا إِلَى سَوَارِي الْمَسْجِدِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى ذَلِكَ أَتَى أُمَّهُ فَقَالَ يَا أُمَّاهْ انْسِجِي لِي مِدْرَعَةً مِنْ شَعْرٍ وَ بُرْنُساً مِنْ صُوفٍ حَتَّى آتِيَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَأَعْبُدَ اللَّهَ فِيهِ مَعَ الْأَحْبَارِ وَ الرُّهْبَانِ فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ حَتَّى يَأْتِيَ نَبِيُّ اللَّهِ فَأُخْبِرَهُ فِي ذَلِكَ فَلَمَّا دَخَلَ زَكَرِيَّا ع أَخْبَرَتْهُ بِمَقَالَةِ يَحْيَى فَقَالَ لَهُ زَكَرِيَّا يَا بُنَيَّ مَا يَدْعُوكَ إِلَى هَذَا وَ إِنَّمَا أَنْتَ صَبِيٌّ صَغِيرٌ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَتِ أَ مَا رَأَيْتَ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ سِنّاً مِنِّي قَدْ ذَاقَ الْمَوْتَ قَالَ بَلَى ثُمَّ قَالَ لِأُمِّهِ انْسِجِي لَهُ مِدْرَعَةً مِنْ شَعْرٍ وَ بُرْنُساً مِنْ صُوفٍ فَفَعَلَتْ فَتَدَّرَعَ الْمِدْرَعَةَ عَلَى بَدَنِهِ وَ وَضَعَ الْبُرْنُسَ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَأَقْبَلَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ مَعَ الْأَحْبَارِ حَتَّى أَكَلَتْ مِدْرَعَةُ الشَّعْرِ لَحْمَهُ فَنَظَرَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى مَا قَدْ نَحَلَ مِنْ جِسْمِهِ فَبَكَى فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَا يَحْيَى أَ تَبْكِي مِمَّا قَدْ نَحَلَ مِنْ جِسْمِكَ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَوْ اطَّلَعْتَ إِلَى النَّارِ اطِّلَاعَةً لَتَدَرَّعْتَ مِدْرَعَةَ الْحَدِيدِ فَضْلًا عَنِ الْمَنْسُوجِ فَبَكَى حَتَّى أَكَلَتِ الدُّمُوعُ لَحْمَ خَدَّيْهِ ثُمَّ بَدَتْ لِلنَّاظِرِينَ أَضْرَاسُهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ أُمَّهُ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ وَ أَقْبَلَ زَكَرِيَّا