روضة الواعظين و بصيرة المتعظين( ط- القديمة) - الفتّال النيشابوري، ابو علي - الصفحة ٤٤٧
إِلَى الْمَالِ فَأَكْثَرَ وَ مَنْ بَنَى فَشَيَّدَ وَ نَجَّدَ وَ زَخْرَفَ وَ ادَّخَرَ بِزَعْمِهِ لِلْوَلَدِ إِشْخَاصُهُمْ جَمِيعاً إِلَى مَوْقِفِ الْعَرْضِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ الْعَقْلُ إِذَا خَرَجَ مِنْ أَسْرِ الْهَوَى وَ نَظَرَ بِعَيْنِ الزَّوَالِ لِأَهْلِ الدُّنْيَا وَ سَمِعَ مُنَادِي الزُّهْدِ يُنَادِي فِي عَرَصَاتِهَا مَا أَبْيَنَ الْحَقَّ لِذِي عَيْنَيْنِ إِنَّ الرَّحِيلَ أَحَدُ الْيَوْمَيْنِ تَزَوَّدُوا مِنْ صَالِحِ الْأَعْمَالِ وَ قَرِّبُوا الْآمَالَ بِالْآجَالِ فَقَدْ دَنَا الرِّحْلَةُ وَ الزَّوَالُ.
قَالَ الصَّادِقُ ع كَانَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ع يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ يَا بَنِي آدَمَ اهْرُبُوا مِنَ الدُّنْيَا إِلَى اللَّهِ وَ أَخْرِجُوا قُلُوبَكُمْ عَنْهَا فَإِنَّكُمْ لَا تَصْلُحُونَ لَهَا وَ لَا تَصْلُحُ لَكُمْ وَ لَا تَبْقُونَ فِيهَا لَا تَبْقَى لَكُمْ هِيَ الْخَدَّاعَةُ الْفَجَّاعَةُ الْمَغْرُورُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا الْمَغْبُونُ مَنِ اطْمَأَنَّ إِلَيْهَا الْهَالِكُ مَنْ أَحَبَّهَا وَ أَرَادَهَا فَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ بَارِئِكُمْ وَ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَ اخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَ لا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً أَيْنَ آبَاؤُكُمْ أَيْنَ أُمَّهَاتُكُمْ أَيْنَ إِخْوَانُكُمْ أَيْنَ أَخَوَاتُكُمْ أَيْنَ أَوْلَادُكُمْ دُعُوا فَأَجَابُوا وَ اسْتُودِعُوا الثَّرَى وَ جَاوَرُوا الْمَوْتَى وَ صَارُوا فِي الْهَلْكَى وَ خَرَجُوا عَنِ الدُّنْيَا وَ فَارَقُوا الْأَحِبَّةَ وَ احْتَاجُوا إِلَى مَا قَدَّمُوا وَ اسْتَغْنَوْا عَمَّا خَلَّفُوا كَمْ تُوعَظُونَ وَ كَمْ تُزْجَرُونَ وَ أَنْتُمْ لَاهُونَ سَاهُونَ مَثَلُكُمْ فِي الدُّنْيَا مَثَلُ الْبَهَائِمِ هِمَّتُكُمْ فُرُوجُكُمْ وَ بُطُونُكُمْ أَ مَا تَسْتَحُونَ مِمَّنْ خَلَقَكُمْ قَدْ وَعَدَ مَنْ عَصَاهُ النَّارَ وَ لَسْتُمْ مِمَّنْ يَقْوَى عَلَى النَّارِ وَ وَعَدَ مَنْ أَطَاعَهُ الْجَنَّةَ وَ مُجَاوَرَتَهُ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى فَتَنَافَسُوا فِيهِ وَ كُونُوا مِنْ أَهْلِهِ وَ أَنْصِفُوا مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَ تَعَطَّفُوا عَلَى ضُعَفَائِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْكُمْ وَ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً وَ كُونُوا عَبِيداً أَبْرَاراً وَ لَا تَكُونُوا مُلُوكاً جَبَابِرَةً وَ لَا مِنَ الْعُتَاةِ الْفَرَاعِنَةِ الْمُتَمَرِّدِينَ عَلَى مَنْ قَهَرَهُمْ بِالْمَوْتِ جَبَّارُ الْجَبَابِرَةِ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَ رَبُّ الْأَرْضِ وَ إِلَهُ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ شَدِيدُ الْعِقَابِ الْأَلِيمُ الْعَذَابِ لَا يَنْجُو مِنْهُ ظَالِمٌ وَ لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ وَ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ وَ لَا يَتَوَارَى مِنْهُ شَيْءٌ أَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عِلْمُهُ وَ أَنْزَلَهُ مَنْزِلَهُ فِي الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ ابْنَ آدَمَ الضَّعِيفَ أَيْنَ تَهْرُبُ مِمَّنْ يَطْلُبُكَ فِي سَوَادِ لَيْلِكَ وَ بَيَاضِ نَهَارِكَ وَ فِي كُلِّ حَالٍ مِنْ حَالاتِكَ قَدْ أَبْلَغَ مَنْ وَعَظَ وَ أَفْلَحَ مَنِ اتَّعَظَ- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا مُوسَى إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ عُقُوبَةٍ وَ جَعَلْتُهَا مَلْعُونَةً مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا مَا كَانَ لِي يَا مُوسَى إِنَّ عِبَادِيَ الصَّالِحِينَ زَهِدُوا فِيهَا بِقَدْرِ عِلْمِهِمْ وَ سَائِرُهُمُ مِنْ خَلْقِي رَغِبُوا فِيهَا بِقَدْرِ جَهْلِهِمْ وَ مَا مِنْ خَلْقِي أَحَدٌ عَظَّمَهَا فَقَرَّتْ عَيْنُهُ وَ لَمْ يُحَقِّرْهَا إِلَّا انْتَفَعَ بِهَا ثُمَّ قَالَ الصَّادِقُ ع إِنْ قَدَرْتُمْ أَلَّا تُعْرَفُوا فَافْعَلُوا وَ مَا عَلَيْكَ إِنْ لَمْ يُثْنِ عَلَيْكَ النَّاسُ وَ مَا عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ مَذْمُوماً عِنْدَ النَّاسِ إِذَا كُنْتَ عِنْدَ اللَّهِ