روضات الجنات فی احوال العلماء و السادات - الموسوي الخوانساري، محمد باقر - الصفحة ٢٨٨ - ٦٤٤ المتكلم العماد و شيخ المعتزلة ببغداد محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن ابان ولى عثمان بن عفان ابو على الجبائى
بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ، و قوله من قبل ذلك فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ، و قوله تعالى: أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ، و قوله: إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ، وَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ، لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ، إلى غير ما ذكره من الأوحاء النّازلة على هذا السّياق، و النّافية الظّلم و اللّغو و العبث و التّكليف بما لا يطاق.
نعم بعض تلك الحكم و المصالح المرعيّة ظاهرة غير خفيّة، و بعضها يظهر بالتّأمل و الرّوية، و هما يشهدان بأنّ ما لا ندركه منها أيضا ملحوظة فى تفاريق أجزاء عوالم الإمكان، و منظورة فى خليقة إلهنا القديم الإحسان» كما يشهد بتحقيق كلّ ما لا ندركه من لطايف تدبير الصنّاع استقراؤنا التام، فى قاطبه المدركات من ملل مالهم من الاوضاع، فكيف لا يكون علّة تخصيص حضرة الحقّ سبحانه و تعالى ذلك المتوفّى الصغير، بإماتته فى حالة الصّغر، و إبقاء الأخ الآخر الكافر؛ إلى أن يهوي إلى أسفل الدّرك من قبيل ذلك القبيل الغير المدرك بعد ما علمنا فى الجملة أنّه تعالى و تبارك لا يفعل إلّا الخير المحض، و لا يعجز عن الإيجاد على الوجه الأصلح الأبرك.
و على ما ذكر فيمكن أن يقال في جواب أبى الحسن الأشعرىّ عن لسان هذا الجبّائى المعتزلىّ أن الصّغير المزبور لمّا كان قد ثبت فى علم الحقّ، أنّه لو بقى و أعطى الإختيار لفوض أمره فى الخيرة الى العزيز الجبّار، فاختار له الموت فى الصّغر إلهه العدل البارّ، الّذى هو أحسن مستشار، ليأمن شرور هذه الدّار، و يلحق من غير جهد العمل بمقامات الأبرار، و لكن لمّا كان علمه بحال الأخ الكافر على خلاف ذلك و بأنّه كان يختار طلبة نفسه فى الأمور، و يشترى الحياة الدّنيا الفانية بلذّات دار السّرور، أعطاه من هذه الجهة مناه، و تركه فيما يشتهيه و يهواه، كما حقّق رجاء إبليس الملعون، لمّا علم أنّه عدل عن الحقّ و رضى بالدّون، فكلّ ما يفعل بالعبد هو اختيار نفسه، و إن كان خلق الإختيار فيه من جهة ربّه إذ ليس خلق الإختيار فيه إلّا بمثابة سائر ما جعل فيه من الأركان، و العاصى يصرفها فى هوى النّفس و متابعة