روضات الجنات فی احوال العلماء و السادات - الموسوي الخوانساري، محمد باقر - الصفحة ٣٢٣ - ٦٥٢ المعلم الثانى و المقنن البانى محمد بن طرخان بن اوزلغ ابو نصر الفارابى التركى
دائما فوقف فقال سيف الدّولة: اقعد، فقال له: حيث أنا أم حيث أنت؟ فتخطي رقاب النّاس حتّى إنتهى إلى مسند سيف الدّولة و زاحمه فيه حتّى أخّرجه عنه، و كان على رأس سيف الدّولة مماليك، و له معهم لسان خاصّ يكلّمهم به قلّ أن يعرفه أحد، فقال لهم بذلك اللّسان انّ هذا الشّيخ قد أساء الأدب، و انّى سائله عن أشياء إن لم يوف بها فاخرقوا به، فقال له أبو نصر بذلك اللّسان: أيّها الأمير إصبر فانّ الامور بعواقبها، فعجب سيف الدّولة منه و قال له: اتحسن بهذا اللّسان فقال نعم أحسن أكثر من سبعين لسانا فعظم ذلك عنده.
ثمّ أخذ يتكلّم مع العلماء الحاضرين فى المجلس فى كلّ فنّ، فلم يزل كلامه يعلو و كلامهم يسفل حتّى صمت الكلّ و بقي يتكلّم وحده، ثمّ أخذوا يكتبون ما يقوله، فصرفهم سيف الدّولة و خلابه، فقال له: هل لك أن تأكل؟ فقال لا فقال له هل لك أن تشرب؟ فقال لا، فقال له، هل لك أن تسمع؟ فقال: نعم، فأمر سيف الدّولة باحضار القيان، فحضر كلّ ماهر فى هذه الصّناعة بانواع الملاهى، فلم يحرّك أحد فيه آلته إلّا وعابه أبو نصر و قال له: اخطأت فقال له سيف الدّولة: و هل تحسن فى هذه الصّناعة شيئا قال: نعم، ثمّ اخرج من وسطه خريطة ففتحها و اخرج منها عيدانا و ركبها، ثمّ لعب بها؛ فضحك منها كلّ من كان فى المجلس، ثمّ فكّها و ركّبها غير تركيبها الأوّل، و حرّكها فبكى كل من فى المجلس، ثم فكها و غيّر تركيبها و حرّكها فنام كل من في المجلس حتّى البوّاب، فتركهم نيّاما و خرج، و يحكى أنّ آلة الّتى تسمّى القانون من وضعه، و هو أوّل من ركّبها هذا التّركيب، و كان منفردا بنفسه لا يجالس النّاس، و كان مدّة مقامه بدمشق لا يكون غالبا إلّا عند مجتمع ماء أو مشتبك رياض، و يؤلّف هناك كتبه، و ينتابه المشتغلون عليه؛ و كان أكثر تصانيفه فى الرّقاع و لم يصنّف فى الكراريس إلّا القليل، فلذلك جاءت أكثر تصانيفه فصولا و تعاليق، و يوجد بعضها ناقصا مبتورا و كان أزهد النّاس فى الدّنيا لا يحتفل بأمر مكسب و لا مسكن و أجرى عليه سيف الدّولة فى كلّ يوم من بيت المال أربعة دراهم، و هو الّذى اقتصر