روضات الجنات فی احوال العلماء و السادات - الموسوي الخوانساري، محمد باقر - الصفحة ٢٨ - باب ما أوله الغين و الفاء و القاف و الكاف و اللام من ساير أطباق الفريقين
و قال صاحب«البغية»بعد أن وصفه بالإمام أبى محمّد الحريرى،ولد فى حدود سنة ستّ و اربعين و أربعمائة،و قرأ على الفضل القصبانى و كان غاية فى الذّكاء و الفطنة و الفصاحة و البلاغة،و تصانيفه تشهد بفضله و تقرّ بنبله،و كفاه شاهدا المقامات الّتى أبز بها على الأوائل و أعجز الاواخر،قال البندهى كان سبب وضعها أنّ أبا زيد السروجى ورد البصرة و كان شيخا شحّاذا فصيحا،فوقف فى مسجد بنى حرام،فسلّم ثمّ سأل النّاس و المسجد غاصّ بالفضلاء،فاعجبهم فصاحته و حسن صباغة كلامه،و ذكر أسر الرّوم ولده،كما ذكره فى المقامة الحراميّة قال الحريرى:فاجتمع عندى عشية ذلك اليوم فضلاء البصرة،فحكيت لهم ما شاهدت من ذلك السّائل،فحكى كلّ واحد منهم انّه سمع من هذا السّائل فى مسجده فى معنى آخر فصلا أحسن ممّا سمعت،و كان يغيّر فى كلّ مسجد زيّه و شكله،و يظهر فى فنون الحيلة فضله،فتعجّبوا منه،فأنشات المقامة الحراميّة،ثمّ بنيت عليها سائر المقامات،و كانت أوّل شيء صنعته.
و ذكر ابن الجوزى بعد هذا الكلام أنّه عرض الحراميّة على الوزير أنوشيروان، فاستحسنها،و أمره أن يضيف إليها ما شاكلها،فأتمّها خمسين.
و قال ياقوت:بلغنى انّه لمّا صنع الحرامية أصعد إلى بغداد،فدخل إلى السّلطان و مسجده غاصّ بذوي الفضل،و قد بلغهم وروده إلاّ أنّهم لم يعرفوا فضله؛فقال له بعض الكتاب أىّ شيء تتعانى من صناعة الكتابة حتّى نباحثك فيه،فأخذ بيده قلما و قال كلّما يتعلّق بهذا،و أشار إلى القلم،فقيل له هذه دعوى عظيمة،فقال امتحنوا تخبروا،فسأله كلّ واحد عمّا يعتقد فى نفسه إتقانه من أنواع الكتابة،فأجاب عن الجميع أحسن جواب حتّى بهرهم،فبلغ خبره الوزير انوشروان فأدخله إليه و أكرمه،فتحادثا يوما حتّى انتهى الحديث إلي ذكر أبى زيد السّروجى،فاورد المقامة الحراميّة الّتى عملها فيه،فاستحسنه أنوشيروان جدّا،و قال ينبغى أن تضاف هذه إلى أمثالها،فقال أفعل مع رجوعى إلى البصرة،و تجمع،خاطرى بها،ثمّ انحدر إلى البصرة،فصنع أربعين مقامة،ثم أصعد إلى بغداد و عرضها على انوشيروان فاستحسنها