روضات الجنات فی احوال العلماء و السادات - الموسوي الخوانساري، محمد باقر - الصفحة ١٧١ - ٢٦٨ الشيخ الرئيس و مصدر التأسيس أبو على حسين بن عبد اللّه بن سينا
فجمعوا الأطبّاء لمعالجته فجمعونى أيضا معهم، فرأوا معالجتى خيرا من معالجات كلّهم، فصلح على يدى، فسألت أن يوصى بخازن كتبه ان يعيرنى كلّ كتاب طلبت ففعل فرأيت فى خزانته كتب الحكمة من تصانيف أبى نصر بن طرخان الفارابى، فاشتغلت بتحصيل الحكمة ليلا و نهارا حتّى حصّلتها، فلمّا انتهى عمرى إلى أربع و عشرين كنت أفكّر فى نفسى ما كان شىء من العلوم انّى لا أعرفه انتهى[١].
و ذكر صاحب «روضة الصّفا» انّ والد أبى على المذكور كان من عمّال بلخ و تزوّج بامرأة من الرساتيق اسمها ستارة، فولد أبو على منها فى سنة ست و سبعين و ثلاثمأة و ولد محمود منها بعد خمس سنين، فارتحل أبوه إلى بخارا و جعله فى المكتب، فلمّا بلغ عشرا فرغ من أصول العربيّة و قواعد الادب، و كان أبوه بعد فراغه من الأشغال الدّيوانية يطالع اخوان الصّفا، و كذا أبو علىّ فى بعض الأحيان، و كان فى بخارا بقّال يسمّى بمحمود المسّاح، له يد فى الحساب و الجبر و المقابلة، فقرأ عنده بامر أبيه الحساب، و قرأ عند الحكيم أبى عبد اللّه الناتلى[٢] المذكور اسمه فى «تاريخ الحكماء» قسم المنطق و كذا اقليدس و المجسطى، و كان قد اضافه أبوه فى داره، ثمّ اشتغل بالطبيعى و الالهى ثمّ بعد ذلك بالطّب، فبلغ بقليل من الزّمان مرتبة لم يبلغها أحد قبله، و كان يحضر مجلسه الأطبّاء الحذاق، و مع هذا كان يتردّد إلى مجلس اسماعيل الزّاهد لقرائة الفقه و الاصول، و لم يكن فى آن فارغا من المطالعة و الكتابة، و قليلا من اللّيل يهجع و يراعى شرايط قواعد المنطق فى تحصيل المطالب، و إذا تردّد فى مسئلة يتوضأ و يعزم جامع البلد، فيصلّى فيه ركعتين بالخشوع، و يشتغل بالدّعاء و الاستعانة إلى أن ترتفع شبهته، و كان ياتى اللّيل إلى الوثاق و يهىّء السّراج و يشتغل بالقرائة و الكتابة و إذا غلبه النّوم شرب قدحا من الخمر، و لم يكن أحد من حكماء الإسلام شرب قبله بل حكماء قبل الاسلام من اليونانيّين لم ينسبوا إلى هذا الامر الشّنيع و كان أبو على يبالغ فى اجراء الشّهوة، و اكثر الحكماء بعده اقتدوا به فى اتباع الملاذ النّفسانيّة فصاروا بعد وفاتهم
[١] راجع آثار البلاد فى ذيل ترجمة أفشنة: ٢٩٩.
[٢] ناتلة بكسر التاء المثناة من فوقها، و لام، و يقال بغير هاء «ناتل» مدينة بطبرستان.