روضات الجنات فی احوال العلماء و السادات - الموسوي الخوانساري، محمد باقر - الصفحة ٣٦٢ - ٣٠٦ الشيخ الامام الهمام و البدر التمام و العلم العلام و مربى علمائنا الاعلام و مبين معضلات الاحكام بتهذيبه مسالك الافهام الى شرائع الاسلام و مدارك الحلال و الحرام زين الدين ابن على بن احمد بن محمد بن على بن جمال الدين بن تقى بن صالح بن اشرف الجبعى العاملى الشامى المشتهر بالشهيد الثانى
و لقد اشتمل على فضيلة جميلة، و منقبة جليلة تفرّد بها عن أبناء جنسه، و حباه اللّه بها تزكية لنفسه، و هى انّه من المعلوم البيّن انّ العلماء رحمهم اللّه لم يقدروا على ان يروّجوا أمور العلم و ينظموا أحواله و يفرغوه فى قالب التّصنيف و التّرصيف حتّى يتفّق لهم من يقوم بجميع المهمّات، و يكفيهم كلّما يحتاجونه من المتعلّقات، و يقطع عنهم جميع العلائق، و يزيل عنهم جميع الموانع و العوائق، اما من ذى سلطان سخره اللّه لهم، او من ذى مروّة و أهل خير يلقى اللّه فى قلبه قضاء مهمّاتهم، لئلّا يحصل الإخلال باللّطف العظيم، و يتعطّل السّلوك إلى المنهج القويم.
و مع ذلك كانوا فى راحة من الخوف بالأمان، و فى دمة من حوادث الزّمان، و كان شيخنا المذكور مع ما عرفت يتعاطى جميع مهمّاته بقلبه و بدنه، حتّى لو لم يكن إلا مهمّات الواردين عليه، و مصالح الضّيوف المتردّدين إليه، مضافا إلى القيام بأحوال الأهل و العيال، و نظام المعيشة و أسبابها من غير وكيل، و لا مساعد يقوم بها. حتّى انّه ما كان يعجبه تدبير أحد فى أموره، و لا يقع على خاطره ترتيب مرتب لقصوره عمّا فى ضميره، و مع ذلك كله فقد كان غالب الزّمان فى الخوف الموجب لاتلاف النّفس، و التّستّر و الاخفاء الّذى لا يسع الإنسان معه أن يفكر فى مسئلة من الضّروريات البديهية و لا يحسن أن يعلق شيئا يقف عليه من بعده من ذوى الفطن النّبيهة و سيأتى انشاء اللّه فى عدّة تصانيفه على ما ظهر عنه فى زمن غزارة العلوم المشتبهة بنفايس جواهر المنظوم و قد برز عنه مع ذلك من التصنيفات و الأبحاث و التّحقيقات و الكتابة و التّعليقات من هو ناش عن فكر صاف و غارف من بحار علم واف بحيث اذا فكر من تفكّر فى الجمع بين هذا و بين ما ذكرنا تحيّر و هذه فضيلة يشهد له بها كلّ من كان له به ادنى مخالطة و لا يمكن احدا فيها مغالطة و من الشّاهد الواضح البيّن انّ الواحد منّا مع قلّة موانعه و تعلّقاته و توفير دواعيه و اوقاته لو بذل الجهد فى استقصاء كتابة مصنّفاته و ما برز من تحقيقاته لم يستطع من اصحابه استقصاها و لا بلغ منتهاها و كفاه بذلك نبلا و فخرا.