روضات الجنات فی احوال العلماء و السادات - الموسوي الخوانساري، محمد باقر - الصفحة ٢١٠ - ٥٩ الشيخ المحدث الحافظ الكبير أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن على بن بحر بن سنان
و قد سئل يوما عن أمر معاوية و ما وضعوه من الرواية في فضائله. فقال: ما أعرف له فضلا إلّا: لا أشبع اللّه بطنك. قلت: و إنّما أراد بذلك القول ما نقله الفريقان: إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و اله أرسل يوما ليحضره في شأن. فقيل له: إنّه مشغول بالطعام. فأرسل إليه ثانيا. فاعيد عليه القول. ثمّ أرسل إليه. فقيل له: مثل الأوّلين. فتغيّر عند ذلك وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه و اله و دعى عليه بالقول المذكور، و يمكن أن يكون الوجه في ذلك ما نقل أيضا عن أهل بيت العصمة عليهم السّلام: أنّ المؤمن يأكل في معاء واحد، و المنافق يأكل في سبعة أمعاء، و يشهد بكثرة أكله أيضا ما صدر منه على المنبر حين الخطبة. فخجل كثيرا و أخذ في الاعتذار عنه بما هو أنتن ممّا بدر منه- عامله اللّه بما يستحقّه- و في رواية أنّه قال النسائي المذكور: أما رضى معاوية أن يكون رأسا برأس حتّى أن أزيد له حديث الفضيلة.
و بالجملة فما زال أهل دمشق يدفعون بعد ذلك عن خصائصه إلى أن أخرجوه منها إلى الرملة، و هى من أرض فلسطين. فكان مقيما بها باقي عمره يصوم نهارا منه، و يفطر نهارا تأسيّا برسول اللّه صلى اللّه عليه و اله في عمله ذلك للقيام بمقتضى الصبر على تكاليف اللّه و الشكر على نعمائه. فإنّ بهما تمام دين المرء كما في الأخبار. ثمّ لمّا مرض مرض الموت أشار إلى أهله بأن يحملوه إلى مكّة المعظّمة. فحمل إليها، و كان به رمق، و توفّى بها في يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة من صفر المظفّر. و قيل: في شعبان سنة ثلاث و ثلاثمأة، و قال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس صاحب «تاريخ مصر» فى تاريخه: إنّ النسائى قدم مصر قديما، و كان إماما في الحديث ثقة ثبتا حافظا، و كان خروجه من مصر في ذي القعدة سنة اثنتين و ثلاثمأة كما ذكره ابن خلّكان. فتأمّل.