روضات الجنات فی احوال العلماء و السادات - الموسوي الخوانساري، محمد باقر - الصفحة ١٤٣ - ٣٤ السلطان العارف الرفيع المدارج و الهمم، شيخ المشايخ و المرشدين بهاء المنة و الحق و الدين الشيخ أبو اسحق ابراهيم بن أدهم بن منصور بن زيد
يمشي و يصلّي حتّي توسّط البادية، و كان فيها سبع سنين. فلمّا توسّطها وسوس له الشيطان: ههنا تجد الرزق لأنّك علي طريق و لو ملت عن الطريق الجادّة لم تجد شيئا.
فمال عن الطريق الجادّة على رغم الشيطان. فأصابه الجوع و العطش إلى أن وطّن نفسه على الهلكة و استعدّ للموت. فكان من قضاء اللّه تعالى أنّ أعرابيّا أضلّ راحلته فجاء يطلبها فوجد إبراهيم مشرفا على الموت. فناداه. فلم يجبه. فجاء إليه ففتح فاه كرها و جعل فيه سويقا و سكّرا و لبنا. فضحك. فقال الأعرابي: ممّا تضحك؟ فقصّ عليه القصّة و قال:
إنّ اللّه لا يضيع أجر من أحسن عملا. فقصد مكّة حتّى لحق بأهلها فاجتمع إليه جماعة من الأولياء و كان يوصيهم و يقول: لا تنظروا إلى المحارم، و لا تأكلوا شبعا و لا تفعلوا كذا و كذا في هذا الموضع- يعنى لحرمته- و كان قد دخل قبل دخول الحاجّ فأتاه الخبر بقدومهم فقال إبراهيم لأصحابه: تهيّأوا لاستقبالهم فخرجوا فلقيه رفقة من بلخ و فيهم صبىّ حسن الوجه في هيئة حسنة و كان إبراهيم ينظر إلى الصبىّ جدّا و يقلّب بصره فيه فلمّا انصرف و جنّ عليه اللّيل كان له تلميذ يقال له: إبراهيم بن يسار. فقال تلميذه: يا استاد كنت تعظنا أن لا ننظر إلى أمرد و لا نفعل كذا و كذا فرأيتك منذ اليوم و أنت تنظر إلي صبىّ ما حاله كذا و كذا فخطر ببالي شىء. فقال ابراهيم: لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العلىّ العظيم هذا الكلام لم أكن اريد أن أذكره لكن لمّا خطر ببالكم ما يكرهه اللّه تعالى أحببت أخبركم و ذلك إنّى فارقت بلخ منذ خمس عشرة سنة و كانت امرأتي حاملا فتوهّمت أنّه ولدي. فقال إبراهيم بن يسار: فبتّ تلك اللّيلة مفكّرا إلى الصباح، ثمّ قصدت تلك الرفقة فوجدت الصبىّ- في حجره مصحف و هو يقرأ القرآن فسلّمت عليه فردّ علىّ السلام فقلت له: من أنت يا صبىّ، و من أين أقبلت؟ فقال: من بلخ. فقلت: ما اسمك؟
فقال: محمّد، فقلت: ما اسم أبيك؟ فقال. إبراهيم بن أدهم. قلت: تريد تلقاه؟. قال:
فصاح و قام و قال: و أين أبي؟. فصعدت معه إلى إبراهيم و عنده قوم جلوس من الأولياء.
فقلت؛ للصبىّ هذا أبوك إبراهيم بن أدهم. فأكبّ على أبيه و جعل الصبىّ و أبوه يبكيان و الجماعة الحاضرون. فلم أر صراخا و لا عويلا أكثر من ذلك اليوم. فلمّا قرّا من البكاء. قال إبراهيم لابنه: تحسن القرآن تقرأه. قال: نعم. قال: تعرف فروض الوضوء