علي بن موسي الرضا و الفلسفة الالهية - جوادی آملی، عبدالله - الصفحة ٧٩ - الفصل السادس فى الجبر و التفويض و ضرورة الامر بين الامرين
حيث أفاد ( عليه السلام ) إنه لو كان الجبر حقا و القضاء حتما و القدر لازما لا يمكن التخلف عنه , لكان المحسن أولى باللوم , لانه اشتاق إلى العصيان فاكره على الطاعة . و لكان المذنب أولى بالاحسان , لانه اشتاق إلى الطاعة فاكره على العصيان . و فى هذا إشارة إلى ما تقدم , من أن الجبر مستلزم للتفويض فى الجملة حيث أنه يدل على أن للمجبور ذاتا مستقلة , لها إقتضاء و إرادة غير ما لله سبحانه من ذات و إقتضاء و إرادة , إلا أنه مقهور له تعالى لان معنى قوله ( عليه السلام ) ( و لكان المحسن أولى باللائمة من المذنب ) هو ذلك , تدبر .
و كما أن الجبر ينافى حكمة الله سبحانه و عدله , كذلك ينافى كرمه , إذ الكريم لا يجبر أحدا على معصيته و لا يعذبه عليها , كما أفاده مولانا الصادق ( عليه السلام ) : ( الله أكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقونه ) [١] و إن كان التفويض أيضا منافيا لكرامته تعالى كما سيجى ء .
و الحاصل إن الحدود الوسطى للبرهان على امتناع الجبر , هى الحكمة و العدالة و الكرامة و نحوها [٢] من الاسماء الحسنى لله تعالى . فالجبر يمتنع عن الله و إن لم يمتنع عليه تعالى , إذ لا يحكم عليه شى ء أصلا إذ لو حكم عليه تعالى شى ء لكان ذلك الحاكم خارجا عن سلطانه , و لكان واجبا أعلى منه , و
[١]توحيد الصدوق , ص ٣٦٠ .
[٢]نفس المصدر , ص ٣٦٠ , حيث جعل فيه الرحمة حدا وسطا .