اصول الشيعه لاستنباط احكام الشريعة - اليوسفي، الشيخ محمّد حسين - الصفحة ٧٨ - ثمّ أجاب عنه بقوله
كلّ منهما، على اختلاف المسلكين في ذلك، كما تقدّمت الإشارة إليهما [١].
وعلى كلّ حال: التخيير في باب التزاحم لم ينشأ من ناحية الدليل الدالّ على وجوب كلّ من المتزاحمين، بل نشأ من ناحية المدلول والمنكشف، لما عرفت من أنّ المجعول في باب التكاليف إنّما يقتضي التخيير في امتثال أحد التكليفين عند تعذّر الجمع، بالبيان المتقدّم.
والفرق بين التخيير الجائي من قبل الدليل والتخيير الجائي من قبل المدلول، هو أنّ التخيير في الأوّل ظاهري وفي الثاني واقعي، كما لا يخفى وجهه.
إذا عرفت ذلك فنقول:
إنّ القول بالتخيير في باب تعارض الاصول ممّا لا شاهد عليه، لا من ناحية الدليل والكاشف، ولا من ناحية المدلول والمنكشف.
أمّا انتفاء الشاهد من ناحية الدليل: فهو ممّا لا يكاد يخفى، فإنّ دليل اعتبار كلّ من الاصول العمليّة إنّما يقتضي جريانه عيناً، سواء عارضه أصل آخر أو لم يعارضه، وليس في الأدلّة ما يوجب التخيير في إجراء أحد الأصلين المتعارضين.
وأمّا انتفاء الشاهد من ناحية المدلول: فلأنّ المجعول في باب الاصول العمليّة ليس هو إلّاالحكم بتطبيق العمل على مؤدّى الأصل، إمّا بقيد أنّه الواقع، وإمّا لا بقيد ذلك- على اختلاف المجعول في باب الاصول التنزيليّة وغيرها- ولكنّ الحكم بذلك ليس على إطلاقه، بل مع انحفاظ رتبة الحكم الظاهري باجتماع قيود ثلاثة: وهي الجهل بالواقع، وإمكان الحكم على المؤدّى، وعدم لزوم المخالفة العمليّة، فعند اجتماع هذه القيود الثلاثة يصحّ جعل الحكم
[١] راجع ص ٧٣.